في المحصلة النهائية، عندما نجمع خيوط التدخلات التركية، والقطرية، والمصرية، والسعودية في السودان، نرى بوضوح كيف تحولت هذه التدخلات إلى “فخ جيوسياسي” أطبق على عنق الدولة السودانية وشعبها. لم تكن هذه التدخلات مدفوعة برغبة حقيقية في إحلال السلام أو بناء دولة ديمقراطية مستقرة، بل كانت محكومة بحسابات باردة تتعلق بالأمن القومي، والنفوذ الإقليمي، والمصالح الاقتصادية، مما أدى إلى كارثة إنسانية وانهيار مؤسسي غير مسبوق.
لقد أدى تعارض المصالح بين هذه الدول الأربع إلى شلل المجتمع الدولي وإطالة أمد الصراع. فعندما كانت المبادرة المصرية تدعم الجيش السوداني كضامن للاستقرار، كانت تركيا تدعم قوى إسلامية وتناور مع الجيش لضمان نفوذها، بينما كانت السعودية تدير المفاوضات لخدمة أمن البحر الأحمر ومصالحها الاقتصادية، وكانت قطر تدعم فصائل مدنية وسياسية لضمان وجود موطئ قدم أيديولوجي. هذا التشتت في المواقف الإقليمية جعل من المستحيل تشكيل ضغط دولي موحد وفعال على طرفي الصراع. فكل طرف متحارب في السودان كان يمتلك “ظهيراً إقليمياً” يحميه في مجلس الأمن، أو يوفر له الغطاء الدبلوماسي، أو يمد له يد العون اللوجستي والمالي عندما يوشك على الانهيار.
النتيجة المباشرة لهذا الفخ الجيوسياسي كانت الكارثة الإنسانية. لقد أدى إطالة أمد الصراع إلى تشريد ملايين السودانيين داخلياً وخارجياً، وخلق واحدة من أسوأ أزمات النزوح في العالم. تدمير المدن، وخاصة الخرطوم ومدن دارفور، لم يكن مجرد أضرار جانبية، بل كان نتيجة حتمية لحرب استنزاف تعتمد على الأسلحة الثقيلة، والمسيرات، والميليشيات غير المنضبطة التي تتغذى على نهب الموارد. إن انهيار المنظومة الصحية،和教育ية، والزراعية في السودان لم يكن ليحدث بهذه الضراوة لولا أن الأطراف المتحاربة كانت تملك القدرة على الاستمرار في القتال بفضل الدعم الخارجي.
علاوة على ذلك، فإن التدخلات الإقليمية أدت إلى “تفتيت” النسيج الاجتماعي السوداني بشكل قد يستغرق عقوداً لإصلاحه. فمن خلال توظيف الانقسامات القبلية والجهوية، ودعم ميليشيات محلية بأسلحة متطورة، نجحت الدول الإقليمية في تحويل الصراع من معركة على السلطة في العاصمة إلى حرب إبادة وتطهير عرقي في الأطراف، خاصة في دارفور وكردفان. إن تدفق الأسلحة، والذي سهلته الشبكات اللوجستية العابرة للحدود، وضع أسلحة دمار في يد ميليشيات لا تملك أي وازع أخلاقي أو قانوني، مما أدى إلى مجازر رهيبة ضد المدنيين.
إن انهيار الدولة السودانية يمثل أيضاً خطراً جسيماً على المنطقة بأكملها. فسودان مفكك وضعيف يعني فراغاً أمنياً في البحر الأحمر، مما يهدد الملاحة الدولية ويعرض المصالح السعودية والمصرية للخطر. كما يعني انتشار السلاح والجماعات المتشددة في منطقة الساحل والصحراء، مما يهدد استقرار تشاد، وأفريقيا الوسطى، وليبيا. إن المفارقة المأساوية هنا هي أن التدخلات الإقليمية التي كانت تهدف في الأصل إلى “تأمين” المصالح الوطنية لهذه الدول، قد أدت في الواقع إلى خلق تهديدات أمنية أكبر بكثير على حدودها ومناطق نفوذها.
في الختام، لقد أثبتت الأزمة السودانية أن التدخلات الإقليمية المتنافسة، عندما تفتقر إلى رؤية موحدة لاستقرار الدولة المضيفة، تكون وصفة مؤكدة للدمار. إن التركيز على المكاسب قصيرة المدى، وتدفق الأسلحة، واستخدام المسيرات التركية، والمناورات المالية الخليجية، والتصلب الأيديولوجي المصري والتركي، كلها عوامل نسجت شبكة معقدة من التعقيدات أطالت أمد الصراع. إن الحل الحقيقي للأزمة السودانية لن يتحقق إلا بخروج السودان من هذا الفخ الجيوسياسي، وبتوقف هذه الدول الأربع عن استخدام السودان كساحة لتصفية حساباتها الإقليمية. يتطلب ذلك عملية سلام شاملة تقودها قوى سودانية وطنية خالصة، مدعومة دولياً وليس إقليمياً فقط، لضمان بناء جيش وطني موحد، ودولة مدنية ديمقراطية، تكون فيها سيادة القانون والمواطنة هي الأساس، وليس الولاءات الخارجية. وحتى يتحقق ذلك، سيستمر الشعب السوداني في دفع ثمن باهظ لأخطاء وتجاوزات القوى الإقليمية التي جعلت من بلاده مجرد رقعة في لعبة الشطرنج الجيوسياسية.
