تحول في الاستراتيجية.. الناتو يتولى قيادة دعم أوكرانيا
في خطوة تعكس أعمق تحول في العلاقات عبر الأطلسي منذ نهاية الحرب الباردة، أعلن البنتاغون تخليه عن قيادة مجموعة المساعدة الأمنية لأوكرانيا (SAG) في فيسبادن بألمانيا، لتنتقل مهام التنسيق التدريبي واللوجستي إلى عضو آخر في حلف الناتو.
الخطوة، التي تستغرق عاماً كاملاً، تمثل حسب موقع بوليتكو، أكثر من مجرد إعادة هيكلة إدارية؛ فهي تجسيد لسياسة إدارة ترامب الرامية إلى تقليص البصمة العسكرية الأمريكية المباشرة في القارة العجوز، وإعادة توزيع أعباء الدفاع عن أوكرانيا على عاتق الحلفاء الأوروبيين، في مؤشر جديد على تباعد واشنطن التدريجي عن شركائها التاريخيين.
ومع تولي ضابط أوروبي أو كندي قيادة البرنامج، ستحتفظ الولايات المتحدة بمنصب نائب القائد لضمان استمرارية التنسيق مع القيادة الأوروبية للجيش الأمريكي.
وأكد مسؤولو الناتو، أن الأولوية القصوى لتجهيز وتدريب القوات الأوكرانية لن تتأثر خلال فترة الانتقال، بينما أوضح البنتاغون أن البرنامج كان مصمماً منذ البداية على أنه “مؤقت”، وأن نقل الأعباء يهدف إلى مواءمة الموارد الأمريكية مع استراتيجية الدفاع الوطني.
ومع مغادرة الفريق كورتيس بوزارد منصبه يوم الإثنين، يتولى الفريق غيوم بوربير مهامه لإنهاء الإشراف الأمريكي، لتغلق بذلك صفحة من الإدارة المباشرة للجهود الحربية في شرق أوروبا، مع بقاء دور استشاري أمريكي عبر النائب الجديد للقيادة.
إعادة تشكيل القيادة
لا تأتي هذه الخطوة بمعزل عن سلسلة من القرارات التي أعادت رسم خريطة القيادة داخل حلف الناتو. ففي فبراير الماضي، أعلنت الإدارة نقل قيادة مركز القيادة المشتركة في نورفولك بولاية فرجينيا إلى بريطانيا، ومركز نابولي إلى إيطاليا، ومركز برونسوم بهولندا إلى إدارة ألمانية-بولندية مشتركة، في إعادة توزيع منهجية للمناصب القيادية الكبرى.
بالتزامن، سحبت الولايات المتحدة ألوية عسكرية كانت تنتشر بالتناوب في رومانيا وبولندا، وأوقفت خطط إعادة الانتشار التي سبق أن ألمح إليها الرئيس، مما يعكس نهجاً متصاعداً في تقليص الوجود الميداني، وإعادة تقييم الأولويات القائمة على مبدأ “تحمل الحلفاء للعبء الأكبر”، وهو المبدأ الذي يدفع به وزير الدفاع بيت هيغسيث في كل محفل دولي.
كييف بين المكاسب السياسية والمخاوف اللوجستية
في أوكرانيا، تُقرأ الخطوة بمزيج من التفاؤل والحذر. فرغم أن نقل القيادة إلى الناتو قد يخفف من وطأة التقلبات السياسية الحادة في واشنطن، ويوفر قناة أكثر استقراراً للدعم اللوجستي، إلا أن مسؤولين في كييف أعربوا عن قلقهم من أن بيروقراطية الحلف المعقدة قد تبطئ وصول الإمدادات إلى الخطوط الأمامية، وفقاً لما نقلته مصادر مطلعة.
والأكثر إشكالية، أنه لا أحد يستطيع تعويض القدرات الاستخباراتية الأمريكية الفائقة، مثل الاستطلاع عبر الأقمار الاصطناعية وتحديد الأهداف الدقيقة، إلى جانب أسطول طائرات النقل الثقيل الذي يظل العمود الفقري للإمدادات الضخمة.
ومع ذلك، يصر البنتاغون على مضيه قدماً في خطة التسليم، مذكراً الحلفاء بتصريحات هيغسيث الأخيرة في بروكسل، حيث حذر من أن “نهج الناتو الأحادي” قد انتهى، مطالباً الأوروبيين بتكثيف جهودهم الدفاعية لمواكبة التحولات الجديدة في ميزان القوى العالمي.
هذا التحول، الذي كان مقرراً منذ قمة واشنطن عام 2024، يحمل دلالات سياسية مضاعفة في توقيته الحالي. فهو لا يعكس فقط رغبة إدارة ترامب في إعادة توزيع المسؤوليات، بل يعلن عن مرحلة جديدة من الانفصال التدريجي عن الأمن الأوروبي.
هذا الانسحاب يترك الحلفاء في مواجهة اختبار حقيقي لقدرتهم على قيادة الجهود الدفاعية دون المظلة الأمريكية الكاملة، وسط تساؤلات حول ما إذا كانت البيروقراطية الأوروبية قادرة على سد الفراغ اللوجستي والاستخباراتي الذي ستتركه واشنطن خلفها.
