حصري

سودان التناقضات الصارخة.. رفاهية القيادات العسكرية مقابل شقاء الشعب المطحون


يُقال إن الحروب تظهر أقبح ما في النفس البشرية، لكنها في السودان كشفت عن هوة سحيقة وفجوة طبقية وأخلاقية مرعبة بين فئتين من البشر يعيشون في رقعة جغرافية واحدة. فئة تمثل القيادات العسكرية العليا وأتباعهم المقربين الذين يعيشون في رغد من العيش ورفاهية تحاكي قصور الملوك، وفئة أخرى تمثل الأغلبية الساحقة من أفراد الشعب السوداني الذين يطحنهم الفقر، والتشرد، والجوع الناتجان عن استمرار الحرب العبثية والفساد المستشري. هذه المقارنة الصادمة تضع التساؤلات المشروعة حول الشعارات الوطنية والجهادية التي ترفعها القيادات العسكرية، بينما تشير الوقائع على الأرض إلى أن الحرب تحولت إلى تجارة مربحة تضمن استمرار امتيازات القلة على حساب دماء وشقاء الكثرة.
في وقت يعاني فيه المواطن السوداني من انقطاع التيار الكهربائي لأيام طويلة، ويقطع مسافات شاسعة للحصول على لترات قليلة من مياه الشرب غير النقية، تقبع قيادات الجيش وأسرهم في أحياء راقية ومجمعات سكنية محصنة، تتوفر فيها مولدات كهربائية ضخمة تعمل على مدار الساعة، وشبكات مياه مخصصة وفلاتر تنقية متطورة. سياراتهم الفارهة ذات الدفع الرباعي والموديلات الحديثة تجوب الشوارع المتهالكة، مستهلكة كميات هائلة من الوقود المدعوم أو الموفر لهم مجاناً من مخصصات الدولة، بينما يقف المواطن العادي في صفوف تمتد لكيلومترات للحصول على بضع لترات من البنزين لسيارته أو وسيلة مواصلاته العامة، أو يضطر للسير على الأقدام لعدم قدرته على دفع تكلفة النقل المرتفعة.
هذا التناقض يمتد بشكل أكثر إيلاماً إلى قطاعي التعليم والصحة. فبينما أُغلقت المدارس والجامعات الحكومية في وجه ملايين الطلاب السودانيين بسبب الحرب وتحول بعضها إلى ثكنات عسكرية أو مراكز إيواء للنازحين، يدرس أبناء القيادات العسكرية وأتباعهم المرفهين في أرقى الجامعات والمدارس الخاصة داخل البلاد أو في العواصم الأوروبية والعربية، بتكاليف تُدفع بالعملات الصعبة المستقطعة من عرق الشعب وثروات البلاد المنهوبة. وعندما يمرض مواطن بسيط، فإنه يواجه الموت في مستشفيات تفتقر للشاش والمعقمات، بينما تطير طائرات خاصة أو تُحجز تذاكر الدرجة الأولى لنقل أي كادر عسكري رفيع أو أحد أفراد أسرته للعلاج في المستشفيات العالمية الفاخرة في الخارج عند شعوره بأي عارض صحي بسيط.
إن ثروات هذه النخبة العسكرية لا تأتي من رواتبهم الرسمية، بل هي نتاج مباشر لمنظومة الفساد المؤسسي التي تسيطر على مفاصل الاقتصاد السوداني. فالقيادات العسكرية تدير شبكات معقدة من الشركات التجارية والمصانع التي تحتكر تجارة المواد الغذائية الأساسية، والأدوية، والوقود، وتصدير الذهب والمحاصيل النقدية. هذه الاستثمارات تتمتع بإعفاءات ضريبية وجمركية كاملة، مما يحرم الخزينة العامة من مليارات الدولارات التي كان يمكن أن تُوجه لدعم خدمات المواطنين. هذا الوضع يخلق مصلحة مباشرة لهذه القيادات في استمرار الحرب؛ فالنزاع المسلح يوفر الغطاء المثالي لغياب المحاسبة والشفافية، ويسمح بعمليات التهريب الواسعة، ويبرر القمع الأمني لكل من يحاول كشف هذا الفساد أو المطالبة بالعدالة الاقتصادية.
في المقابل، يعيش المواطن السوداني العادي مأساة يومية تزداد تعقيداً مع كل صباح. الموظفون الحكوميون والمعلمون والعمال قضوا أشهراً طويلة دون تقاضي رواتبهم، والمهنيون فقدوا أعمالهم ومصانعهم ومتاجرهم التي نُهبت أو دُمرت في العمليات القتالية. الملايين تحولوا إلى نازحين في وطنهم أو لاجئين في دول الجوار، يعيشون في خيام ممزقة تفترش الأرض وتلتحف السماء، وينتظرون وجبة تجود بها منظمات الإغاثة الدولية. إن هذه المقارنة بين حياة البذخ والترف التي تنعم بها القيادات العسكرية وأتباعهم، وحياة البؤس والشقاء التي يعيشها عامة الشعب، تكشف بوضوح أن الأزمة في السودان ليست أزمة موارد، بل هي أزمة عدالة وتوزيع، حيث تسرق فئة قليلة مسلحة أحلام ومستقبل وحاضر أمة بأكملها.
زر الذهاب إلى الأعلى