الشرق الأوسط

ضغوط تنظيمية داخل حماس وصعوبات في ملء الشواغر القيادية


قبل أن تكتظ أسواق غزة بالمتبضعين احتفالاً بعيد الأضحى، استهدفت غارة جوية إسرائيلية مبنى في مدينة غزة أودت بحياة أحد أبرز الوجوه القيادية في حركة حماس، محمد عودة، القائد الذي لم يمضِ على تعيينه على رأس الجناح العسكري لحماس سوى أيام.

غير أن ما بدا أكثر دلالة من عملية الاغتيال نفسها كان التوقيت وسياق المشهد العام؛ فبعد ساعات قليلة فقط، وثّقت عدسات إعلامية حركة طبيعية في الشوارع، حيث انشغلت العائلات والأطفال بشراء مستلزمات العيد، في صورة تختصر اتساع الفجوة بين مسار القيادة العسكرية للحركة وهموم السكان الذين يعيشون تحت وطأة حرب طويلة ومدمرة.

هذا التباين، بحسب شبكة “فوكس نيوز” يعكس تحولاً أعمق في المزاج داخل القطاع، حيث لم تعد أخبار تصفية القادة تحمل الأثر الرمزي ذاته الذي كانت تحمله في مراحل سابقة من الصراع.

وجاء مقتل عودة بعد أيام من اغتيال عز الدين حداد، في سلسلة طويلة من الضربات التي طالت قيادات بارزة داخل البنية العسكرية للحركة، من بينهم يحيى السنوار الذي ارتبط اسمه بهجوم السابع من أكتوبر/ تشرين الأول.

«حماس» تواجه صعوبة في ملء فراغ صفوف قيادتها.. والفجوة مع الغزيين تتسع - صورة 1

هديل عويس، رئيسة تحرير موقع “جسور نيوز”، ترى أن عمليات الاغتيال المتلاحقة تخلق “فراغاً واضحاً” داخل التنظيم، موضحة أن مقتل القادة وانهيار القيادة المركزية القوية يحوّل حماس تدريجياً إلى “مليشيات أصغر حجماً تتنافس مع الجماعات المسلحة الأخرى العاملة في غزة”.

وتختصر عويس المشهد بالقول: “حماس الآن تُقاتل من أجل البقاء”.

وفي حين تصف القيادة الإسرائيلية هؤلاء بأنهم مهندسو الهجمات ومصدر التهديد المستمر، فإن ردود الفعل الشعبية التي رصدتها تقارير إعلامية وشهادات من داخل غزة تشير إلى شعور متزايد بأن الكلفة البشرية للحرب لم تعد موزعة بصورة متوازنة.

وتتجاوز دلالات هذه الشهادات حدود الموقف من اغتيال قائد أو آخر، لتكشف عن حالة إنهاك اجتماعي عميق وإحساس متزايد بالانفصال بين دوائر القرار العسكري وبين الواقع اليومي للسكان.

وعبّر عدد من سكان القطاع، في مقابلات جرى فيها إخفاء الهوية لأسباب أمنية، عن قناعة بأن المدنيين هم الطرف الأكثر دفعاً للثمن، بينما تستمر القيادة في إدارة الصراع من مواقع داخلية أو خارجية أقل تعرضاً للمخاطر المباشرة.

وتكررت في هذه الشهادات الإشارة إلى مشاهد الدمار، والنزوح، وتدهور الظروف المعيشية، إلى جانب شعور متنامٍ بأن استمرار الحرب لم يعد يحمل بالنسبة لكثيرين سوى المزيد من الخسائر دون أفق واضح.

في المقابل، يحذر محللون إسرائيليون من الاستنتاج بأن موجة الاغتيالات تعني بالضرورة قرب انهيار حركة حماس. فبرغم الخسائر الكبيرة التي لحقت بالطبقة القيادية التي خططت لهجوم أكتوبر/ تشرين الأول، يرى مختصون في الشأن الفلسطيني أن الحركة ما زالت تحتفظ بدرجة من التماسك التنظيمي والقدرة على إعادة إنتاج قيادات جديدة، حتى وإن كانت أقل خبرة أو تأثيراً من سابقيها.

ويشير هذا الطرح إلى أن البنية الأيديولوجية والتنظيمية لا تُقاس فقط بعدد القادة الذين يُستهدفون، بل بقدرتها على الاستمرار في العمل تحت الضغط.

«حماس» تواجه صعوبة في ملء فراغ صفوف قيادتها.. والفجوة مع الغزيين تتسع - صورة 2

وفي الوقت الذي تتبدل فيه خرائط النفوذ داخل غزة بفعل استمرار العمليات العسكرية، تتسارع الجهود الدولية لبلورة تصور لمرحلة ما بعد الحرب. وتطرح مبادرات سياسية وأمنية أفكاراً تقوم على تقليص نفوذ الجماعات المسلحة وإعادة بناء منظومة حكم موحدة، في محاولة لإيجاد صيغة أكثر استقراراً للقطاع. غير أن حجم الدمار واتساع الجراح الاجتماعية يجعلان الطريق نحو أي تسوية طويلة ومعقدة.

وبين أسواق تعود مؤقتاً إلى الحياة وأحياء ما زالت تحمل آثار الحرب، يبدو أن السؤال الأكثر حضوراً بين كثير من سكان غزة لم يعد متعلقاً بمصير قائد أو آخر، بقدر ما يرتبط بإمكانية الخروج من دوامة صراع طويل يدفع المدنيون فيه الثمن الأكبر، ويبحثون فيه عن مساحة ولو محدودة من الحياة الطبيعية وسط واقع استثنائي لا يزال يفرض حضوره على كل تفاصيل اليوم.

زر الذهاب إلى الأعلى