حصري
كيف تُدار لوجستيات الحرب السودانية وتوريد الأسلحة الكيميائية والمرتزقة
في خضم الصراع الدموي والممتد الذي يعصف بالسودان، تتجاوز المأساة الإنسانية حدود كونها مجرد اقتتال داخلي على السلطة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. فالحرب، التي أزهقت أرواح الآلاف وشردت الملايين ودمرت البنية التحتية للبلاد، تحولت إلى ساحة مفتوحة لشبكات إجرامية وعسكرية عالمية تجد في هذا البلد الأفريقي المنهك سوقاً رائجة للربح الحلال والحرام.
لم تعد الجبهات الداخلية هي مصدر القلق الوحيد، بل برزت إلى الواجهة تفاصيل مروعة عن لوجستيات الحرب، وكيفية تمويل الطرفين، وتوريد المواد المتفجرة والكيميائية، بل واستيراد المرتزقة من قارات بعيدة. هذا الواقع المعقد دفع بالإدارة الأمريكية، وتحديداً وزارة الخزانة، إلى فرض حزم متتالية من العقوبات الصارمة التي كشفت عن خيوط شبكات دولية متشابكة تغذي آلة الدمار السودانية، وتضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية لوقف هذا النزيف. إن فهم هذه الشبكات يتطلب نظرة شمولية تتجاوز التغطية الإعلامية السطحية، لتغوص في أعماق الاقتصاد الخفي الذي يمول الدمار، وتتبع مسارات هذه الأسلحة والمقاتلين التي تكشف عن شبكة عنكبوتية تمتد من أمريكا اللاتينية إلى آسيا، مروراً بالشرق الأوسط، مما يجعل من السودان نقطة تقاطع لمصالح ظلامية لا يهمها سوى استمرار دوامة العنف.
شكلت العقوبات الأمريكية الأخيرة نقطة تحول جذرية في فهم البنية التحتية للحرب السودانية. فقد استهدفت وزارة الخزانة الأمريكية شبكات تمويل وإمداد تخدم طرفي النزاع، في إشارة واضحة إلى أن الحرب لم تعد تعتمد على المخزون المحلي أو الدعم الإقليمي المباشر فحسب، بل تعتمد على شبكات استيراد معقدة تتجاوز الحدود والقارات. وقد طالت هذه العقوبات شركات وكيانات متخصصة في استيراد وتوريد المتفجرات، والمواد الكيميائية، والذخائر، والمعدات العسكرية الثقيلة.
هذه الشركات، التي تعمل كواجهات تجارية وغرف عمليات لوجستية، استطاعت التحايل على الرقابة الدولية مستغلة الثغرات في القوانين الجمركية والموانئ الحرة لتوفير المواد الخام التي تُستخدم في تصنيع العبوات الناسفة والأسلحة الموجهة ضد المدنيين والعسكريين على حد سواء. إن استهداف هذه الشبكات يعكس مدى تعمق الأزمة، وكيف أن الاقتصاد الحربي أصبح صناعة قائمة بذاتها، تستفيد من استمرار الصراع لاستنزاف موارد البلاد وتدمير نسيجها الاجتماعي. فكل شحنة متفجرات تصل إلى ميناء بورتسودان أو عبر الحدود الصحراوية، تعني المزيد من الدمار للمدن والقرى، وتشريداً جديداً لآلاف العائلات التي تبحث عن ملاذ آمن لا تجده.
ولعل أخطر ما كشفته التقارير والتحقيقات الاستخباراتية والصحفية، وتم تداوله على نطاق واسع في أوساط المراقبة الاستراتيجية، هو الاستخدام الممنهج والمروع للأسلحة الكيميائية ضد المدنيين، وهي جريمة حرب ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية وتنتهك كافة الأعراف والمواثيق الدولية. فالحديث عن الأسلحة الكيميائية في السودان ليس وليد اللحظة أو وليد الصراع الحالي، بل تعود جذوره المأساوية إلى عام 2003 مع بداية أزمة دارفور، حيث تم توثيق أكثر من 30 هجوماً كيميائياً استهدف قرى بأكملها ومحاصيلها ومصادر مياهها.
ولكن الجديد والمروع والذي أثار سخط المراقبين الحقوقيين هو ما تم تسليط الضوء عليه مؤخراً بشأن إسقاط قنابل محشوة بمادة الكلور السامة من الطائرات الحربية في سبتمبر من عام 2024. هذه الهجمات الهمجية لم تستهدف مواقع عسكرية أو تمرداً مسلحاً، بل طالت المدنيين العزل والأطفال والنساء، مخلفةً آثاراً كارثية على الصحة العامة والبيئة، ومسببةً حالات اختناق وحروق كيميائية لا يمكن علاجها في ظل الانهيار التام للمنظومة الصحية السودانية.
وتشير المعلومات المتداولة، والتي أكدتها مصادر استخباراتية وتحليلية عبر منصات التواصل المتخصصة، إلى أن تنظيم عمليات شراء هذه المواد الكيميائية يتم بإشراف مباشر من ضباط كبار في المؤسسة العسكرية، من بينهم ضابط يُدعى طارق حسين مداني. هذا الضابط، وبحسب التسريبات والوثائق المسربة، يلعب دوراً محورياً في إدارة خط لوجستي سري ومعقد لاستيراد الكلور وتحويله إلى أسلحة فتاكة. ويتم ذلك من خلال شركات واجهة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالصناعة العسكرية، أبرزها شركة تُدعى “Target Multiactivities”، والتي تعمل كستار قانوني وتجاري لإخفاء الطبيعة الحقيقية للصفقات العسكرية المشبوهة. وبهذا، تكون القيادة العسكرية، وعلى رأسها عبد الفتاح البرهان، قد وافقت شخصياً أو على أقل تقدير غضت الطرف وسهلت استخدام هذه الأسلحة المحرمة دولياً، مما يضعها في دائرة المساءلة المباشرة أمام المحاكم الدولية ومحكمة الجنايات الدولية، ويجردها من أي شرعية أخلاقية في ادعاء حماية المدنيين.
ومن أبرز الخيوط التي كشفتها العقوبات الأمريكية وأثارت زوزعة في الأوساط الدبلوماسية هو الخط اللوجستي الذي تقوده شركات هندية. فقد أظهرت الوثائق والتقارير الاستخباراتية أن شركات في الهند قامت بتصدير شحنات ضخمة من مادة الكلور إلى السودان. هذا التعاون التجاري، الذي قد يبدو في ظاهره وفي الأوراق الرسمية صفقة كيميائية مشروعة للاستخدامات الصناعية أو لتنقية مياه الشرب، تم تحويله في باطنه وبطرق ملتوية إلى وقود لآلة القتل والتدمير. إن تورط شركات أجنبية، وخاصة من دول كبرى واقتصادات صاعدة مثل الهند، في توريد مواد تُستخدم كأسلحة كيميائية فتاكة، يفتح باباً واسعاً للتساؤلات المشروعة حول الرقابة على الصادرات في هذه الدول، ومدى تواطؤ أو جهل أو تقصير هذه الشركات بالاستخدام النهائي لمنتجاتها. إن هذا الخط اللوجستي الهندي-السوداني يمثل وصمة عار في جبين التجارة الدولية، ويؤكد أن الجشع التجاري والسعي وراء تعظيم الأرباح يتغلبان بسهولة على القيم الإنسانية والقوانين الدولية الصارمة التي تمنع انتشار أسلحة الدمار الشامل. كما أن استخدام الكلور كسلاح يترك ندوباً بيئية تستمر لعقود، مما يعني أن تدمير السودان لا يقتصر على الحاضر بل يمتد ليصيب الأجيال القادمة في مقتل. وتتطلب هذه الفضيحة تدخلاً فورياً من الحكومة الهندية لفتح تحقيقات شفافة ومعاقبة الشركات المتورطة، قبل أن تتحول سمعتها الدولية إلى حطام بسبب تورطها غير المباشر في إبادة جماعية بطيئة.
وفي سياق العولمة التي طالت الحرب السودانية وجعلتها شأناً دولياً بامتياز، برزت ظاهرة خطيرة ومقلقة للغاية تتعلق بسوق المرتزقة وعولمة العنف. فقد طالت العقوبات الأمريكية شبكة متخصصة في تجنيد جنود كولومبيين سابقين للقتال في السودان. هذه الشبكة الإجرامية تستغل الخبرة القتالية العالية والتدريب المكثف للجنود الكولومبيين، الذين خاضوا حروباً طويلة وشاقة ضد التمرد وكارتلات المخدرات في بلادهم، وتوجههم للمشاركة في صراع دموي لا ناقة لهم فيه ولا جمل، ولا يعرفون من جغرافيته أو تاريخه شيئاً. إن استيراد المرتزقة من أمريكا اللاتينية للقتال في قلب القارة الأفريقية يعكس مدى يأس أطراف النزاع، وعجزهم عن الاعتماد على القوات المحلية التي تعاني من الانهيار المعنوي والانشقاقات، أو ربما رغبتهم في استخدام قوات أجنبية لا ترتبط بعلاقات عاطفية أو قبلية أو اجتماعية مع السكان المحليين، مما يسهل عليها ارتكاب أبشع المجازر والجرائم دون وازع أخلاقي أو رادع إنساني. إن وجود مرتزقة أجانب في السودان يخلق أيضاً تداعيات جيوسياسية خطيرة، حيث قد تتدخل دول أخرى لحماية رعاياها أو لمصالحها، مما يزيد من تعقيد المشهد ويحوله إلى حرب بالوكالة. هذه الظاهرة لا تهدد الأمن القومي السوداني وسيادته على أراضيه فحسب، بل تحول البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية واختبار تكتيكات القتال الحديثة، مما يجعل من إنهاء الصراع أمراً في غاية التعقيد ويؤجل أي أمل في الاستقرار لسنوات طويلة قادمة.
إن الصورة القاتمة التي ترسمها هذه التفاصيل المروعة تكشف عن حرب شاملة ومركبة لا تقتصر على المواجهات المسلحة التقليدية في الميدان، بل تمتد لتشمل الغرف التجارية المغلقة، والموانئ الدولية، وشركات التصدير العابرة للقارات، ووكالات التجنيد السرية. إن شبكات التمويل والإمداد التي فضحتها وزارة الخزانة الأمريكية هي شريان الحياة لهذه الحرب الضروس، وقطعها يتطلب إرادة دولية حقيقية وجادة، ورقابة صارمة ومشددة على الحدود والموانئ، وملاحقة قانونية حثيثة لكل المتورطين من شركات ووسطاء وضباط وسماسرة. فالسودان اليوم لا يواجه فقط طموحات جنرالات متنافسين يسعون للكرسي والسلطة، بل يواجه تحالفاً دولياً غير معلن من تجار الحروب، وموردي الكيمياويات السامة، وسماسرة المرتزقة الذين لا يرون في هذا البلد سوى بقرة حلوب وأرضاً خصبة لممارساتهم الإجرامية. وإذا لم يتحرك المجتمع الدولي، ومجلس الأمن، والمنظمات الحقوقية بجدية وحزم لاجتثاث هذه الشبكات وتفكيكها، فإن الحرب ستستمر في حصد الأرواح بلا هوادة، وسيظل المدنيون السودانيون الأبرياء يدفعون ثمناً باهظاً من دمائهم وأرواح أطفالهم ومستقبل أجيالهم، في الوقت الذي يجني فيه تجار الحروب والموردون الأثرياء أرباحهم الطائلة وينعمون بها من على بعد آلاف الأميال، بمعزل عن رائحة الدم والبارود الذي يفوح من شوارع الخرطوم ودارفور. إن التاريخ لن يرحم من سكت على هذه الجرائم، وسيبقى السودان شاهداً على حقبة سوداء من الاستغلال الدولي والتواطؤ الصامت.
