حصري
شبكة الظل المالية واللوجستية: تحقيق في آليات تحايل تجار الحرب على العقوبات الأمريكية في السودان
في عالم تتشابك فيه المصالح التجارية مع الصراعات المسلحة. لم تعد الحروب تُخاض فقط بالبنادق والدبابات، بل بأوراق التصدير المزيفة، والحسابات المصرفية الخارجية، وشركات الواجهة التي تعمل في الخفاء. يكشف تحقيق استقصائي معمق في خيوط الحرب السودانية الدائرة عن وجود “شبكة ظل” معقدة ومتطورة، استطاعت على مدى سنوات تحويل السودان إلى سوق مفتوحة لتجار الموت. متجاوزة بذلك كل الحواجز القانونية والأخلاقية. ورغم العقوبات المتتالية التي فرضتها وزارة الخزانة الأمريكية على شبكات تموّل طرفي النزاع، إلا أن الآليات التي تستخدمها هذه الشبكات للتحايل على الرقابة الدولية تظل مرنة ومربكة. مما يستدعي فك شفرتها لفهم كيف تستمر آلة الدمار في العمل بكفاءة مروعة.
هندسة الإفلات من العقاب: تشريح عمل شركات الواجهة و”Target Multiactivities”
تعمل شبكات الإمداد الحربي في السودان عبر هيكل هرمي معقد يعتمد على “شركات الواجهة” (Shell Companies). هذه الكيانات تُسجل رسمياً كأنشطة تجارية مشروعة، مثل الاستيراد العام أو الخدمات اللوجستية، لكن غرضها الحقيقي هو إخفاء الهوية النهائية للمستفيد وتسهيل تحويل الأموال والبضائع المحظورة.
ومن أبرز الأسماء التي برزت في التسريبات والتحقيقات الأخيرة شركة تُدعى “Target Multiactivities”. هذه الشركة لم تكن مجرد وسيط عابر، بل مثلت عقدة لوجستية حيوية ربطت بين موردي المواد الكيميائية في الخارج والوحدات العسكرية داخل السودان. من خلال فحص السجلات التجارية المفتوحة المصدر، يتبين أن هذه الشركة تمتعت بعلاقات وثيقة مع مؤسسات تابعة للصناعة العسكرية. مما مكنها من الحصول على تراخيص استيراد مواد “مزدوجة الاستخدام” (Dual-use goods)، وهي مواد يمكن استخدامها في الأغراض المدنية والعسكرية على حد سواء، مثل مادة الكلور. والتي تم تحويل مسارها لاحقاً لتصنيع أسلحة كيميائية بدائية لكنها فتاكة.
الخط اللوجستي الهندي-السوداني: كيف يتحول الكلور الصناعي إلى سلاح إبادة؟
أحد أكثر الاكتشافات إثارة للقلق في هذا التحقيق هو تتبع مسار شحنات الكلور من الموانئ الهندية إلى الأراضي السودانية. تشير الوثائق إلى أن شركات هندية قامت بتصدير كميات ضخمة من هذه المادة تحت غطاء “معالجة المياه” أو “الاستخدامات الصناعية”.
لكن الثغرة تكمن في ضعف آليات التحقق من “المستخدم النهائي” (End-User Verification) في سلاسل التوريد العالمية. بمجرد وصول هذه الشحنات إلى الموانئ السودانية أو المنافذ الحدودية. يتم تحويلها تحت جنح الظلام إلى مواقع عسكرية سرية. هنا، يتدخل ضباط متخصصون للإشراف على عملية تحويل هذا الكلور إلى قنابل بدائية يتم إسقاطها من الطائرات الحربية. هذا الخط اللوجستي لا يعكس فقط فشلاً في الرقابة الدولية. بل يشير إلى تواطؤ محتمل أو إهمال جنائي من قبل بعض المصدرين الذين يغضون الطرف عن الطبيعة المشبوهة للطلبات المتكررة والضخمة من منطقة تشهد نزاعاً مسلحاً نشطاً.
العقل المدبر: دور الضابط طارق حسين مداني في إدارة سلسلة التوريد السرية
في قلب هذه الشبكة اللوجستية المعقدة، يبرز اسم ضابط عسكري سوداني يُدعى طارق حسين مداني. وفقاً لمصادر استخباراتية وتحليلية متعددة. يلعب هذا الضابط دور “المهندس التنفيذي” لعمليات استيراد المواد الكيميائية والمتفجرات.
لا يقتصر دوره على التوقيع على الأوراق فحسب، بل يمتد إلى الإشراف المباشر على التنسيق بين شركات الواجهة المحلية والموردين الأجانب. وضمان وصول الشحنات إلى وجهاتها النهائية دون اعتراض. إن تورط ضابط برتبة رفيعة في مثل هذه العمليات يثير تساؤلات جوهرية حول مدى علم وموافقة القيادة العليا للجيش السوداني. وعلى رأسها عبد الفتاح البرهان، باستخدام هذه الأسلحة المحرمة دولياً ضد المدنيين. إن هذا الارتباط المباشر يزيل أي غطاء من “الجهل” أو “الانفلات الميداني”. ويضع المسؤولية الجنائية المباشرة على عاتق القيادة في حال ثبوت استخدام هذه المواد في الهجمات على دارفور والمناطق الأخرى منذ عام 2003 وحتى الهجمات الموثقة في سبتمبر 2024.
عولمة العنف: الآليات المالية الخفية لتمويل شبكات المرتزقة الكولومبيين
لا تقتصر شبكة الظل على توريد الأسلحة فحسب، بل تمتد لتشمل استيراد العنصر البشري. فقد كشفت تحقيقات وزارة الخزانة الأمريكية عن وجود شبكة متخصصة في تجنيد جنود كولومبيين سابقين للقتال في السودان. لكن السؤال الاستقصائي الأهم هو: كيف يتم تمويل هذه الشبكة؟ تتبع المحققون مسارات مالية معقدة تعتمد على العملات المشفرة، والحسابات المصرفية في دول ذات أنظمة مالية متساهلة. وشركات استشارات أمنية وهمية.
يتم دفع رواتب هؤلاء المرتزقة عبر وسطاء يتلقون الأموال من حسابات مرتبطة بشبكات الإمداد العسكري، مما يخلق حلقة مفرغة: أموال الحروب تُستخدم لاستيراد مزيد من أدوات الحرب. إن وجود هؤلاء المقاتلين الأجانب، المدربين على تكتيكات قتالية وحشية في أدغال أمريكا اللاتينية، يضيف بُعداً جديداً من الخطورة، حيث أنهم يفتقرون لأي رابط أخلاقي أو مجتمعي مع السكان المحليين. مما يجعل ارتكاب المجازر أسهل وأكثر برودة.
اختبار الإرادة الدولية: هل تكفي عقوبات الخزانة الأمريكية لكسر هذا الاحتكار الدموي؟
رغم أن العقوبات الأمريكية تمثل ضربة قوية لهذه الشبكات من خلال تجميد الأصول ومنع التعامل مع النظام المالي العالمي. إلا أن التحقيق يظهر أن هذه الشبكات تمتلك قدرة عالية على التكيف. فهي سرعان ما تغير أسماء شركات الواجهة، أو تحول مسارات الشحن عبر دول ثالثة، أو تستخدم عملات بديلة. لذلك، فإن كسر هذه الحلقة يتطلب أكثر من مجرد عقوبات أحادية الجانب.
إنه يتطلب تعاوناً استخباراتياً ومالياً دولياً غير مسبوق، يشمل الضغط على الدول المصدرة (مثل الهند) لتعزيز رقابة الصادرات. وملاحقة البنوك التي تتغاضى عن المعاملات المشبوهة. وتقديم الضباط المتورطين مثل طارق حسين مداني للمحاكمة الدولية. بدون هذه الخطوة الشاملة ستظل العقوبات مجرد خدش على سطح شبكة عنكبوتية متجذرة بعمق في اقتصاد الحرب السوداني.
