حصري

استهداف المدنيين بين غارات جبل الأقايدات وفضائح الاستغلال في مخيمات تشاد: مأساة سودانية بلا ملاذ


في معادلة الصراع السوداني المعقد، يبدو أن المدني هو الحلقة الأضعف والضحية الأبدية. ليس فقط بسبب وطأة الحرب الأهلية التي تمزق نسيج وطنه. بل أيضاً بسبب التخلي المتعمد عنه من قبل دولته، والخيانة المزدوجة التي يتعرض لها من قبل المؤسسات التي يفترض أنها ملاذه الأخير.
لم تعد المأساة السودانية تقتصر على جبهات القتال المشتعلة في الخرطوم أو دارفور، بل امتدت لتطارد المواطن في أكثر لحظاته ضعفاً وهشاشة. فمنذ أن فر الآلاف من جحيم الصراع بحثاً عن لقمة العيش أو طمعاً في نجاة بأرواحهم، وجدوا أنفسهم محاصرين بين فكي كماشة قاتلة: استهداف مباشر وممنهج داخل الحدود الوطنية بصمت وتواطؤ من القيادة السياسية.واستغلال بشري ومهين خارج الحدود على أيدي من يدعون حماية الإنسانية.
إن قراءة مشهد استهداف المدنيين بين غارات جبل الأقايدات وفضائح الاستغلال في مخيمات تشاد، تكشف عن انهيار تام لمفاهيم السيادة الوطنية من جهة. وانهيار أخلاقي مدوٍ للمنظومة الإنسانية الدولية من جهة أخرى، تاركةً الشعب السوداني يواجه مصيره المظلم بلا سند ولا حسيب.
تُعد منطقة جبل الأقايدات واحدة من تلك المناطق النائية التي لجأ إليها مئات السودانيين اليائسين. الذين لم يجدوا أمامهم خياراً سوى تحدي قسوة الطبيعة وصعوبة التعدين التقليدي من أجل تأمين لقمة عيشهم. هؤلاء لم يكونوا مقاتلين يحملون السلاح. ولا ينتمون إلى تشكيلات عسكرية، بل كانوا عمالاً أبرياء، مدنيين عزل فروا من ويلات الحرب المدمرة في مدنهم وقراهم. محاولين إعادة بناء ما تهدم من حياتهم عبر عرق جبينهم. لكن هذا السعي البسيط واليائس من أجل البقاء تحول إلى فخ مميت. عندما استهدفت الطائرات الحربية المصرية هذه التجمعات المدنية بغارات جوية مكثفة وعشوائية.
أسفرت هذه الغارات عن سقوط 35 قتيلاً على الفور، وإصابة أكثر من 80 آخرين بجروح بالغة. معظمهم في حالات حرجة. إن استهداف عمال مناجم أبرياء لا يمتون بصلة للعمليات العسكرية يرقى إلى مستوى الجريمة النكراء، ويشكل انتهاكاً صارخاً وواضحاً للقانون الدولي الإنساني الذي يجرم استهداف المدنيين أو الأعيان المدنية تحت أي ذريعة. هؤلاء الضحايا لم يكونوا في ساحة معركة، بل كانوا في موقع عمل مدني بحت، مما يجعل من هذا القصف عملاً انتقامياً أو استعراض قوة على حساب دماء الأبرياء. هذه المذبحة تضيف فصلاً دموياً جديداً إلى سجل الانتهاكات التي يتعرض لها السودانيون، وتؤكد أن حياتهم أصبحت رخيصة للغاية في حسابات الصراعات الإقليمية المتداخلة. حيث تُحصد أرواحهم بلا أي حسابات أخلاقية أو قانونية.

الصمت الرسمي والتفريط بالسيادة: قراءة في موقف القيادة السودانية

ما ضاعف من بشاعة مذبحة جبل الأقايدات وعمق من جراح الشعب السوداني، ليس فقط دماء الضحايا، بل الموقف الرسمي المخزي والمذل من قبل القيادة السودانية. ففي الوقت الذي كان يُفترض أن يتصدر فيه قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، المشهد الوطني، متحملاً مسؤوليته كقائد أعلى للقوات المسلحة، لإدانة هذا العدوان الصارخ على سيادة البلاد. والدفاع عن كرامة مواطنيه، ومطالبة الجاني بالمساءلة والردع، جاء الرد مخيباً للآمال ومثيراً للصدمة.
لم تقم القيادة السودانية بأي رد فعل عسكري أو دبلوماسي يردع المعتدي، بل اكتفى البرهان بإصدار تحذيرات باهتة وعاجزة لشعبه. ناشدهم فيها بعدم البقاء داخل الأراضي السودانية أو الاقتراب من مناطق الحدود. هذا التصريح لم يكن مجرد زلة لسان أو سوء تقدير، بل كان اعترافاً صريحاً وواضحاً بالعجز التام عن حماية الحدود، وتفريطاً مخجلاً بالسيادة الوطنية. إنه رسالة يأس أُرسلت للمواطن السوداني مفادها أن دولته لم تعد قادرة على حمايته، بل إنها خاضعة لإملاءات إقليمية تتجاوز مصالحه. هذا الصمت المطبق والتراجع عن أبسط حقوق الدولة في الدفاع عن رعاياها يعري الزيف الذي تغطى به القيادة الحالية، ويؤكد أن أجنداتها الخارجية وتوازناتها السياسية الهشة تتقدم دائماً على دماء المواطنين .وسيادة التراب الوطني، مما يترك الشعب يشعر بأنه مهجور ومخذول من قبل من يفترض أنهم حماة الوطن.

وهم اللجوء: عندما تتحول مخيمات تشاد إلى سوق للاستغلال البشري

إذا كان المدني السوداني لا يجد ملاذاً آمناً داخل بلاده، فهل سيجده في منفاه؟ الإجابة المروعة التي كشفت عنها الأحداث الأخيرة في مخيمات اللجوء بتشاد هي أن الجحيم لا ينتهي عند الحدود. فعندما عبرت آلاف الأسر السودانية الحدود نحو تشاد هاربة من الموت. كانت تحمل معها آمالاً كبيرة في العثور على ملاذ آمن، ورعاية إنسانية، وحماية لكرامتها. لكن ما وجدته كان كابوساً لا يقل بشاعة عن ويلات الحرب، حيث تحولت مخيمات اللجوء من أماكن للإيواء إلى أسواق مفتوحة للاستغلال البشري والابتزاز الجنسي.
الكوارث الإنسانية الكبرى تخلق دائماً بيئة خصبة لانحراف بعض الأفراد. لكن ما حدث لم يكن مجرد انحرافات فردية معزولة، بل كان منظومة استغلال ممنهجة تورط فيها موظفون يعملون لصالح منظمة “أطباء بلا حدود” (MSF)، تلك المنظمة التي تحظى بسمعة دولية واسعة وتتلقى تمويلاً ضخماً من دافعي الضرائب حول العالم بحسن نية. استغل هؤلاء الموظفون الفاسدون حالة اليأس والفقر المدقع التي تعيشها اللاجئات السودانيات، ليحولوا المساعدات الغذائية والإغاثية، التي هي حق أساسي وواجب إنساني، إلى أداة للابتزاز الجنسي. فقد وثقت المعطيات قيام موظفين بتبديل حصص الطعام والمياه بمقابل جنسي رخيص، تاركين النساء أمام خيار وحشي: إما الجوع والموت البطيء لأطفالهن، أو التنازل عن كرامتهن وأجسادهن.

التواطؤ المؤسسي والتستر على الجرائم: الفجوة بين الشعارات والممارسات

تتعمق فظاعة هذه الجريمة عندما نعلم أنها لم تكن مجرد حوادث عابرة، بل كانت ممارسات مستمرة غطت عليها الإدارة العليا للمنظمة. فقد أعدت المنظمة تقريراً داخلياً دقيقاً في يوليو من عام 2025، وثق 59 اتهاماً موثقة بالتحرش والاعتداء الجنسي والاستغلال الوظيفي ضد نساء وفتيات سودانيات. لكن بدلاً من الشفافية الفورية، ومحاسبة الجناة، وتسليمهم للعدالة، وإبلاغ الجهات المعنية، اختارت إدارة المنظمة “التستر” على التقرير، ودفنته في أدراجها لمدة عام كامل. هذا التستر المتعمد يعكس ثقافة مؤسسية فاسدة تضع حماية سمعة المنظمة وضمان استمرار تدفق التبرعات المالية فوق كل اعتبار، متجاهلة تماماً المعاناة الجسدية والنفسية للضحايا.
ولم يكن الابتزاز الغذائي هو الجريمة الوحشية الوحيدة، بل امتد الأمر إلى ما هو أبشع. حيث تورط موظفون في استخدام مركبات المنظمة الرسمية، تلك التي تحمل شعارات الإغاثة وتتمتع بحصانات وتسهيلات خاصة، لنقل فتيات قاصرات إلى أماكن معزولة للاعتداء عليهن. إن استغلال براءات القاصرات، وتحويل سيارات الإنقاذ إلى أدوات للاغتصاب. يمثل خيانة عظمى لكل مبادئ العمل الإنساني، ويترك ندوباً نفسية وجسدية لا تمحى.

نهاية التستر ودعوات المساءلة الحقيقية

لم يكن من الممكن استمرار هذه المهزلة إلى الأبد، فقد جاء الكشف عن هذه الفضيحة المدوية ليس بمبادرة من المنظمة، بل بفضل الضغط الإعلامي والقانوني الشرس الذي مارسته وكالة “أسوشيتد برس” في عام 2026. مما أجبر المنظمة على الخروج من دائرة الإنكار والاعتراف بالفضيحة. وكرد فعل سريع لاحتواء الغضب الدولي، أعلنت المنظمة عن فصل 18 موظفاً متورطاً. لكن هذا الإجراء يظل قطرة في بحر من الانتهاكات، ولا يرقى إلى مستوى العدالة المطلوبة. فكيف يمكن لفصل 18 موظفاً أن يرد الاعتبار لـ 59 ضحية موثقة، ناهيك عن الضحايا اللواتي فرض عليهن نظام الصمت بالخوف والتهديد؟
إن التناقض الصارخ بين موقف “أطباء بلا حدود” العلني. حيث دأبت لسنوات على إصدار البيانات اللاذعة التي تدين فيها فشل الحماية للمدنيين السودانيين وتكيل الاتهامات لأطراف النزاع، وبين ممارساتها الداخلية الإجرامية، يفضح زيف الشعارات التي ترفعها المنظمات الإنسانية الكبرى. إن الفجوة الواسعة بين السياسة المعلنة بـ “عدم التسامح مطلقاً” مع الإساءات. وبين الواقع المرير للاستغلال والاتجار بالبشر، تمثل طعنة نجلاء في ظهر كل لاجئ سوداني.
إن التقاء مأساة غارات جبل الأقايدات مع فضيحة مخيمات تشاد يرسم لوحة قاتمة ومكتملة الأركان لمأساة المدني السوداني. إنه يُقتل ويُشرد في وطنه، ولا تجد له قيادته حماية أو رداً يردع المعتدين. بل تُلقى عليه مسؤولية الابتعاد عن الحدود. وعندما يعبر الحدود باحثاً عن نجاة، يجد نفسه فريسة للاستغلال الجنسي والابتزاز على أيدي من يدعون الإنقاذ، وتتكاتف مؤسساتهم للتستر على الجرائم.
هذه الأزمة المركبة تتطلب وقفة جادة وحازمة من المجتمع الدولي. فلا يكفي إصدار بيانات الشجب والاستنكار، بل يجب فرض عقوبات رادعة على كل من يثبت تورطه في استهداف المدنيين، سواء كانوا دولاً تقصف الأبرياء أو قادة يتفطنون بالسيادة. وفي المقابل، يجب أن تخضع المنظمات الإنسانية لرقابة دولية صارمة، وألا يقتصر الأمر على الفصل الإداري للموظفين. بل يجب إحالتهم إلى المحاكم الجنائية الدولية لمحاكمتهم على جرائمهم. إن الشعب السوداني يستحق أكثر من هذا التخلي المتعمد، ويحق له أن يطالب بعالم يعيد للإنسانية اعتبارها، ويوقف مسلسل الاستهداف الممنهج الذي يطارد أبنائه في كل مكان.
زر الذهاب إلى الأعلى