غارات شمال الوادي بالسودان تضع مصر والبرهان أمام أسئلة السيادة
أعادت الغارات الجوية التي استهدفت مواقع للتعدين الأهلي قرب الحدود السودانية المصرية فتح ملف بالغ الحساسية في العلاقات بين القاهرة والخرطوم، بعدما اتهمت جهات حقوقية سودانية القوات المصرية بالمسؤولية عن الهجوم الذي أوقع قتلى وجرحى بين المعدّنين السودانيين.
ولم تعد القضية محصورة في تحديد الجهة التي نفذت الضربات، بل امتدت إلى مساءلة السلطات عن واجب حماية المدنيين، وحدود التنسيق العسكري بين البلدين، وطبيعة المعلومات التي كانت متاحة قبل وقوع الحادثة. ومع إعلان رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، باتت الأنظار تتجه إلى ما إذا كانت التحقيقات ستقدم إجابات واضحة بشأن ملابسات الهجوم، أم ستظل القضية محكومة بحسابات العلاقات الثنائية وتعقيدات الحرب السودانية.
مصر والسودان.. علاقة استراتيجية أمام اختبار صعب
تربط مصر والسودان علاقات تاريخية وجغرافية وأمنية عميقة، لكن هذه الروابط لا تمنع ظهور خلافات حادة عندما تتداخل المصالح الأمنية مع حقوق المواطنين والسيادة الوطنية. فالحدود الطويلة بين البلدين تشهد أنشطة تجارية وتعدينية وحركة للسكان، كما تتداخل فيها قضايا تهريب الذهب والسلاح والعبور غير النظامي. وفي ظل الحرب السودانية، ازدادت أهمية هذه المنطقة بالنسبة إلى الأطراف المعنية، سواء بسبب الموارد المعدنية أو المخاوف الأمنية أو التنافس على النفوذ. ولذلك، فإن أي حادث عسكري يسفر عن سقوط ضحايا مدنيين يمكن أن يتحول سريعاً إلى أزمة سياسية، خصوصاً إذا كانت الروايات المتعلقة بالجهة المنفذة متضاربة ولم يصدر توضيح حاسم بشأنها.
وتزداد حساسية القضية لأن الاتهامات لا تتعلق بجهة بعيدة عن السودان، بل بدولة تربطها بالسلطات السودانية اتصالات سياسية وأمنية مستمرة. وقد أفادت «سودان تربيون» بأن مجلس السيادة أعلن تشكيل لجنة للتحقيق، مشيراً إلى استمرار التواصل بين القيادتين السودانية والمصرية بشأن الحادثة. غير أن التواصل الدبلوماسي، على أهميته، لا يمثل بديلاً عن التحقيق المستقل، ولا يكفي لإغلاق الملف ما لم تُكشف الوقائع الأساسية المتعلقة بالضربات والضحايا والجهة التي نفذتها.
إن الحفاظ على العلاقات الثنائية لا يتحقق بتجنب الأسئلة الصعبة، بل بالقدرة على التعامل معها بشفافية. فإذا كانت مصر تنفي مسؤوليتها عن الهجوم، فإن تقديم توضيحات دقيقة بشأن العمليات العسكرية في المنطقة يمكن أن يساعد على إزالة الالتباس. وإذا أثبت التحقيق أن قوات مصرية نفذت الضربات، فإن المطلوب سيكون توضيح طبيعة العملية وأهدافها والأساس الذي استندت إليه، والتحقيق في مدى احترامها للقواعد القانونية ذات الصلة. أما إذا كشفت الأدلة عن مسؤولية جهة أخرى، فإن نشر النتائج سيمنع استمرار الاتهامات المتبادلة ويتيح تحديد المسؤولية على أساس الوقائع.
البرهان بين واجب حماية المواطنين وحسابات التحالفات
تتجه الأنظار في السودان إلى عبد الفتاح البرهان باعتباره رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، والمسؤول السياسي الذي أعلن تشكيل لجنة تقصي الحقائق. وتتمثل المسألة الأساسية هنا في مدى قدرة مؤسسات الدولة على حماية حقوق المواطنين ومحاسبة أي جهة يثبت تورطها في استهدافهم، بصرف النظر عن موقعها أو طبيعة العلاقات السياسية التي تربطها بالسلطات السودانية.
ولا تتوافر في المعلومات المنشورة التي استند إليها هذا المقال أدلة مستقلة تثبت أن البرهان كان على علم مسبق بالغارات أو أنه نسق مع الجهة المنفذة. ولذلك، فإن تقديم هذا الادعاء باعتباره حقيقة نهائية سيكون تجاوزاً لما تسمح به الأدلة المتاحة. لكن خطورة الاتهام تفرض أن تتناول التحقيقات، عند وجود أساس واقعي لذلك، أي معلومات أو اتصالات سبقت الهجوم، وأن توضح ما إذا كانت السلطات السودانية قد تلقت تحذيرات بشأن المنطقة أو كانت على علم بعمليات عسكرية محتملة فيها.
ولا ينبغي أن تتحول اللجنة التي أعلنها مجلس السيادة إلى إجراء شكلي ينتهي بإصدار بيان مقتضب لا يجيب عن الأسئلة الرئيسية. فالمواطنون الذين فقدوا أبناءهم وأقاربهم يحتاجون إلى معرفة ما حدث، وليس إلى تطمينات عامة. كما أن مصداقية السلطات تتوقف على استعدادها لإعلان النتائج، وتحديد أوجه القصور إن وجدت، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق كل من تثبت مسؤوليته.
ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في ظل الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، حيث أدى تراجع مؤسسات الدولة والخدمات العامة إلى زيادة هشاشة المجتمعات المدنية. ففي مثل هذه الظروف، يصبح واجب السلطات في حماية السكان أكثر إلحاحاً، لأن المدنيين يواجهون مخاطر متعددة، تبدأ من القصف والنزوح ولا تنتهي عند انهيار مصادر الدخل وانعدام الرعاية الصحية. وأي إخفاق في حماية المواطنين أو كشف ملابسات مقتلهم يفاقم فقدان الثقة في المؤسسات الرسمية.
هل تتحول الحدود إلى ساحة لتصفية الحسابات؟
توضح التقارير المتعلقة بالغارات أن المنطقة الحدودية ليست مجرد مساحة جغرافية تفصل بين دولتين، بل مجال تتداخل فيه المصالح الاقتصادية والاعتبارات الأمنية. فالذهب مورد مهم للاقتصاد السوداني، والتعدين الأهلي يوفر دخلاً لمجتمعات واسعة، لكنه يجري في بعض المناطق بعيداً عن الرقابة الفعالة للدولة. وفي المقابل، تثير أنشطة التعدين غير النظامي والتهريب مخاوف أمنية لدى السلطات في المناطق الحدودية، وتدفعها إلى اتخاذ إجراءات للسيطرة على الحركة عبر الحدود.
وقد أشارت تقارير صحفية إلى أن السلطات المصرية نفذت في يونيو 2026 عملية أمنية قالت إنها استهدفت أنشطة مرتبطة بالتنقيب غير القانوني عن الذهب وتهريب السلاح. لكن وجود هذه المخاوف لا يبرر تلقائياً أي هجوم يسفر عن سقوط مدنيين، ولا يسمح بافتراض أن كل العاملين في التعدين الأهلي يمثلون تهديداً عسكرياً. فالمسؤولية عن تحديد الأهداف والتمييز بين المدنيين وغيرهم تقع على الجهات التي تستخدم القوة، وفق القواعد القانونية المنطبقة على الحالة.
وإذا كانت هناك خلافات بشأن الموقع الجغرافي لمناجم التعدين أو السيادة على بعض المناطق الحدودية، فإن حلها يتطلب مسارات دبلوماسية وقانونية واضحة، لا ترك المدنيين عرضة للمخاطر. كما أن غياب التحديد الدقيق لبعض خطوط الحدود في المناطق الصحراوية لا يمكن أن يحول حياة العاملين إلى مسألة هامشية. فحتى عندما تكون هناك اتهامات بعبور غير قانوني أو نشاط تعدين مخالف، ينبغي أن تكون الإجراءات المتخذة متناسبة مع التهديد، وأن تراعي ضرورة حماية الأرواح.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى آلية اتصال مشتركة وفعالة بين السلطات السودانية والمصرية لمعالجة الحوادث الحدودية، وتبادل المعلومات بشأن المخاطر، وإبلاغ السكان بالإجراءات الأمنية بطريقة واضحة، ومنع تكرار الهجمات التي قد تؤدي إلى خسائر بشرية. كما يمكن أن يسهم التنسيق في تنظيم أنشطة التعدين، ومكافحة الشبكات الإجرامية، وضمان عدم استخدام المخاوف الأمنية ذريعة للإضرار بالمدنيين.
لجنة التحقيق.. المصداقية تُقاس بالنتائج
أعلن البرهان تشكيل لجنة تضم ممثلين عن النيابة العامة والجهات العدلية والأمنية ذات الصلة، للتحقيق في ملابسات مقتل المعدّنين. وتمثل هذه الخطوة بداية رسمية لمسار يفترض أن ينتهي بتحديد ما حدث والمسؤولين عنه، لكن نجاحه يتوقف على مجموعة من الشروط، في مقدمتها الاستقلال الفعلي، والوصول إلى الشهود، والحصول على الأدلة الفنية، وإعلان النتائج ضمن إطار زمني واضح.
وينبغي ألا يقتصر التحقيق على مراجعة البيانات الرسمية، بل يجب أن يشمل مقابلات مع الناجين وعائلات الضحايا والعاملين في مواقع التعدين، إضافة إلى مراجعة السجلات الطبية وتوثيق أماكن الإصابات والوفيات. كما ينبغي فحص المقاطع المصورة المتداولة بالاعتماد على الملفات الأصلية، والتحقق من تاريخ تصويرها ومواقعها، وتحليل أي أدلة مادية قد تساعد على تحديد نوع الذخائر أو الطائرات المستخدمة. وتسمح هذه الإجراءات بتكوين صورة أكثر دقة، بعيداً عن التأثيرات السياسية والدعاية التي قد ترافق الحوادث العسكرية.
ومن المهم أيضاً نشر نتائج التحقيق بصورة تسمح للرأي العام بفهم الأدلة التي استندت إليها اللجنة، مع مراعاة حماية الشهود والمعلومات التي قد يؤدي الكشف عنها إلى تعريض أشخاص للخطر. وإذا تعذر الوصول إلى نتيجة حاسمة في بعض الجوانب، فينبغي توضيح أسباب ذلك والأدلة التي ما زالت مفقودة، بدلاً من إصدار استنتاجات لا يمكن التحقق منها.
كما أن التحقيق الجاد يجب أن يتناول المسؤولية عن الإخفاق في حماية المدنيين إذا ثبت وجود معلومات سابقة عن خطر وشيك. فالمحاسبة لا تقتصر دائماً على من نفذ الضربة، بل قد تشمل أيضاً الجهات التي تجاهلت تحذيرات موثوقة أو لم تتخذ إجراءات معقولة لحماية السكان. غير أن تحديد هذه المسؤوليات يتطلب إثبات الوقائع، ولا يجوز استنتاجها من مجرد وقوع الحادثة أو من طبيعة العلاقات السياسية بين الأطراف.
الضحايا أولاً.. بعيداً عن المزايدات السياسية
وسط الاتهامات المتبادلة، يجب ألا تضيع القضية الأساسية: حياة المعدّنين الذين قُتلوا أو أصيبوا، وأسرهم التي تواجه الفقدان والصدمة، والناجون الذين يحتاجون إلى العلاج والدعم. فالخلاف حول هوية الجهة المنفذة لا يلغي الحاجة إلى مساعدة المصابين، وتوثيق أسماء الضحايا، وتقديم الدعم لعائلاتهم، وضمان حفظ الأدلة التي قد تكون ضرورية للمساءلة لاحقاً.
ويجب أن تتعامل السلطات مع أسر الضحايا باعتبارها صاحبة حق في معرفة الحقيقة، لا مجرد طرف ينتظر ما ستسفر عنه المفاوضات السياسية. ومن الضروري توفير معلومات موثوقة عن المفقودين والمصابين، وتسهيل الوصول إلى الخدمات الصحية، ومنع استغلال آلام الأسر في حملات التضليل أو التحريض. كما ينبغي أن تتاح للجهات الحقوقية المستقلة فرصة توثيق الوقائع وفق معايير مهنية، مع مراعاة سلامة الناجين وخصوصية العائلات.
وفي الوقت نفسه، يجب أن يبقى الخطاب الإعلامي حذراً في التعامل مع الصور والمقاطع الصادمة. فالمحتوى المصور يمكن أن يساعد في كشف الانتهاكات، لكنه قد يتضمن أيضاً مواد غير مكتملة السياق أو يصعب تحديد زمانها ومكانها. ولذلك، فإن نشره دون تحقق قد يؤدي إلى أخطاء في تحديد الضحايا أو الجهة المنفذة، بينما يمكن أن يسهم التوثيق المنضبط في بناء ملف أكثر قوة وموثوقية.
ما بعد الغارات.. اختبار للعلاقات المصرية السودانية
إن مستقبل التعامل مع حادثة شمال الوادي سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة السلطات على تجاوز مرحلة البيانات السياسية إلى مرحلة كشف الحقائق. فالقضية تضع مصر أمام أسئلة بشأن الاتهامات الموجهة إلى قواتها، وتضع السلطات السودانية أمام واجب إثبات أنها قادرة على حماية مواطنيها والتحقيق في مقتلهم باستقلالية وشفافية. ولا يمكن لأي من الطرفين أن يحقق استقراراً طويل الأمد عبر تجاهل مخاوف السكان أو التعامل مع الخسائر البشرية باعتبارها تكلفة جانبية للإجراءات الأمنية.
إن احترام السيادة لا ينفصل عن حماية الأرواح، كما أن مكافحة التهريب والتعدين غير القانوني لا تعني تعليق الضمانات الأساسية للمدنيين. وإذا أثبت التحقيق وقوع انتهاكات، فيجب أن تتبع النتائج إجراءات للمساءلة وجبر الضرر ومنع التكرار. وإذا لم تثبت مسؤولية الجهة المتهمة، فينبغي نشر الأدلة التي توضح ذلك، بما يضع حداً للاتهامات غير المدعومة ويعيد النقاش إلى الوقائع.
وفي نهاية المطاف، لن تكون لجنة تقصي الحقائق قد أدت مهمتها بمجرد انتهاء اجتماعاتها أو إعداد تقرير داخلي، بل عندما تتمكن من تقديم إجابات موثوقة عن هوية الجهة المنفذة، وظروف العملية، وحصيلة الضحايا، وأي إخفاقات في حماية المدنيين. وحتى ذلك الحين، تبقى القضية مفتوحة أمام التحقيق، وتظل أسر المعدّنين السودانيين في انتظار الحقيقة التي لا ينبغي أن تخضع لحسابات التحالفات أو ضغوط السياسة.
