لم يكن القصف الجوي الأخير الذي استهدف منشآت ومناجم التنقيب الأهلي عن الذهب في منطقة “جبل العويدات” مجرد حادث حدودي عابر أو اشتباك محلي بين حرس الحدود ومنقبين غير شرعيين. إنما يمثل هذا التطور النوعي حلقة جديدة ومقلقة من حلقات التداخل الإقليمي العسكري في الساحة السودانية التي تعيش على وقع حرب أهلية مدمرة منذ أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. يتقاطع هذا الهجوم الجوي مع استراتيجية أمنية مصرية أوسع نطاقاً تسعى عبرها القاهرة إلى حماية أمنها القومي المباشر، وضبط حدودها الجنوبية الممتدة، ومنع تدفق السلاح أو تسلل العناصر المسلحة في ظل السيولة الأمنية وغياب السيطرة المركزية الكاملة للدولة السودانية على أطرافها المترامية.
نمط العمليات العسكرية المصرية في العمق السوداني
يرى باحثون ومحللون استراتيجيون أن الضربة الجوية في ولاية نهر النيل تتسق مع نمط متزايد من العمليات الجوية والصاروخية المنسوبة للجيش المصري على مدار العامين المنصرمين (2025-2026). فقد رصدت تقارير استخباراتية وصحفية دولية قيام مقاتلات ومسيرات مصرية بشن هجمات استباقية في مناطق مختلفة، شملت قصف قوافل إمداد عسكري وخطوط تهريب متحركة بين القواعد الجوية في منطقة “الكفرة” الليبية وإقليم دارفور غربي السودان. تدرج القاهرة هذه التحركات العسكرية تحت لافتة مكافحة الإرهاب، ومنع وصول شحنات الأسلحة المتقدمة وحظر الدعم اللوجستي الخارجي الموجه لصالح قوات الدعم السريع، والتي تتهمها أطراف عدة بتلقي دعم عسكري إقليمي يساهم في إطالة أمد الصراع وتفتيت الدولة السودانية.
موقف بورتسودان: الصمت التكتيكي أم العجز السيادي؟
يثير الموقف الرسمي لحكومة بورتسودان (التي تمثل السلطة الشرعية المعترف بها دولياً بقيادة الجيش السوداني) الكثير من علامات الاستفهام والجدل السياسي في الأوساط المحلية والدولية. فرغم حجم الخسائر البشرية الفادحة وسقوط عشرات المواطنين السودانيين بين قتيل وجريح في قصف جرى داخل النطاق الجغرافي لولاية شمالية تخضع لسيطرة الجيش، إلا أن القيادة العسكرية لم تصدر أي بيان إدانة رسمي أو احتجاج دبلوماسي ضد القاهرة.
هذا الصمت المطبق يفسره خبراء السياسة الخارجية بوجود توافق استراتيجي وتنسيق أمني وعسكري غير معلن تحت الطاولة بين رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. فالجيش السوداني، الذي يخوض معركة وجودية ضد قوات الدعم السريع، يرى في مصر الحليف الإقليمي الأقوى والأهم الذي يدعم وحدة مؤسسات الدولة السودانية ويرفض صعود الكيانات المسلحة الموازية. وبالتالي، فإن التغاضي عن بعض العمليات العسكرية المصرية الحازمة في المناطق الحدودية المشتركة يُعد ثمناً سياسياً وعسكرياً تكتيكياً تدفعه قيادة الجيش لضمان استمرار الدعم الدبلوماسي والعسكري المصري في المحافل الدولية وضد التهديدات الوجودية الأخرى.
صراع الموارد ومستقبل التنقيب عن الذهب
يمثل الذهب المحرك الأساسي لاقتصاد الحرب في السودان حالياً؛ حيث تعتمد كافة الأطراف المتصارعة على عوائد بيع وتصدير المعدن النفيس لتمويل صفقات شراء السلاح، ودفع رواتب المقاتلين، وتسيير الشؤون الإدارية والميدانية. وتمثل ولاية نهر النيل والشريط الحدودي الشمالي الملاذ الآمن والأكثر إنتاجية للتنقيب التقليدي بعيداً عن جبهات القتال المباشرة في الخرطوم والجزيرة ودارفور.
بيد أن هذا التدفق الهائل للمعدنين التقليديين نحو الحدود أحدث احتكاكات أمنية وقانونية مع الجانب المصري. وتنظر القاهرة بوجس وقلق إلى تنامي نشاط المجموعات العشوائية والتنظيمات غير الرسمية في هذه المناطق الحساسة، خشية أن تتحول مناجم الذهب العشوائية إلى بؤر لتمويل الجماعات الخارجة عن القانون، أو منصات خلفية لعمليات التهريب العابر للحدود الذي يهدد الاقتصاد والأمن المصريين. وتأتي هذه الضربات العسكرية لتوجيه رسالة ميدانية حازمة تفيد بأن الحفاظ على الأمن الحدودي وحظر أي أنشطة اقتصادية غير منضبطة يمثلان خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه تحت أي ظرف من الظروف السياسية الراهنة في السودان.
خطوط التواصل الدبلوماسي لتطويق الأزمة
على الرغم من التصعيد الميداني والاتهامات الحزبية الحادة، أكد أمجد فريد، المستشار السابق لرئيس مجلس السيادة السوداني، أن معالجة مثل هذه الحوادث الحدودية المتكررة يجب أن تتم عبر منطق الدولة والمسؤولية المشتركة بعيداً عن المزايدات السياسية والاستقطاب الإعلامي الذي يهدف إلى ضرب العلاقات الأزلية بين البلدين. وأشار فريد إلى أن قنوات الاتصال الرسمية والدبلوماسية بين الخرطوم والقاهرة تظل مفتوحة ونشطة على أعلى المستويات لتطويق ذيول الحادث، ووضع أطر أمنية واضحة تضمن منع تكرار مثل هذه الصدامات الدامية، والعمل على ترسيم وتسييج مناطق الامتياز التعديني بشكل قانوني صارم يمنع الاحتكاك المستقبلي بين المدنيين والقوات النظامية لحرس الحدود.