حصري

تقارير ميدانية تكشف تصاعد نفوذ الكتائب الإسلامية داخل الجيش السوداني


تشير التطورات الميدانية والسياسية في السودان إلى تنامي نفوذ الكتائب الإسلامية داخل المؤسسة العسكرية، في ظل الحرب المستمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وهو ما يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل التوازنات السياسية والأمنية في البلاد. وتبرز في هذا السياق تحركات مرتبطة بإدماج عناصر من كتيبة البراء بن مالك وتشكيلات إسلامية أخرى ضمن قوات تعمل تحت مظلات عسكرية مختلفة، أبرزها «قوات درع السودان» بقيادة أبوعاقلة كيكل، في خطوة يعتبرها مراقبون محاولة لإعادة ترتيب نفوذ الحركة الإسلامية داخل الجيش والدولة.

ويأتي ذلك وسط اتهامات متزايدة للجيش السوداني باستخدام هذه التشكيلات كغطاء لتجنب الضغوط والعقوبات المرتبطة بالجماعات الإسلامية، خصوصاً بعد تصاعد الحديث عن عودة كوادر محسوبة على نظام الرئيس السابق عمر البشير إلى مراكز التأثير داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية.

تحولات في بنية التحالفات العسكرية

منذ اندلاع الحرب في السودان، اعتمد الجيش السوداني على سياسة توسيع دائرة الحلفاء الميدانيين لتعويض الخسائر البشرية وتوسيع قدراته القتالية. ومع اتساع رقعة المعارك في الخرطوم وولايات الوسط والجزيرة، برزت مجموعات مسلحة ذات خلفيات أيديولوجية ودينية باعتبارها جزءاً من المعادلة العسكرية الجديدة.

وفي مقدمة هذه التشكيلات ظهرت كتيبة البراء بن مالك، التي اكتسبت حضوراً واسعاً خلال العمليات العسكرية الأخيرة، حيث شاركت في معارك متعددة إلى جانب الجيش، خاصة في المناطق ذات الكثافة القتالية العالية.

وتشير مصادر سياسية وعسكرية إلى أن الجيش اتجه إلى دمج عناصر هذه الكتائب داخل وحدات تحمل طابعاً وطنياً أو قبلياً، بهدف تقليل الحساسية الدولية المرتبطة بالتعامل المباشر مع جماعات ذات ارتباطات بالحركة الإسلامية.

ويعتبر مراقبون أن إدراج هذه العناصر ضمن قوات درع السودان يمثل جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة توزيع القوى الإسلامية داخل المؤسسة العسكرية بطريقة تمنحها الحماية السياسية والقانونية، مع الحفاظ على دورها الميداني في الحرب.

كتيبة البراء بن مالك ودورها المتصاعد

خلال الأشهر الماضية، تحولت كتيبة البراء بن مالك إلى واحدة من أكثر التشكيلات حضوراً في الخطاب العسكري والإعلامي المرتبط بالحرب السودانية. وتُعرف الكتيبة بخطابها التعبوي القائم على المرجعية الدينية، إضافة إلى اعتمادها على شبكات تعبئة مرتبطة بتيارات الحركة الإسلامية.

وتشير تقارير محلية إلى أن عناصر الكتيبة لعبت أدواراً مباشرة في العمليات القتالية داخل الخرطوم، كما ظهرت في تسجيلات مصورة مرتبطة بتحركات الجيش في عدة محاور عسكرية.

ويرى محللون أن تنامي دور هذه الكتيبة لا يعكس فقط حاجة الجيش إلى المقاتلين، بل يكشف أيضاً عن وجود تيار داخل المؤسسة العسكرية يدفع باتجاه إعادة بناء التحالف التقليدي بين الجيش والحركة الإسلامية.

ويعتقد أن هذا التحالف عاد للظهور بصورة أكثر وضوحاً بعد تعثر المسار السياسي في السودان وفشل القوى المدنية في بناء توافق وطني قادر على إنهاء حالة الاستقطاب.

محاولات للالتفاف على العقوبات

تواجه الجماعات المرتبطة بالحركة الإسلامية في السودان ضغوطاً دولية متزايدة منذ سقوط نظام البشير، خاصة في ظل الاتهامات المتعلقة باستخدام الدين في العمل العسكري والسياسي، إضافة إلى المخاوف المرتبطة بعودة شبكات الإسلام السياسي إلى مؤسسات الدولة.

وفي هذا الإطار، يرى مراقبون أن دمج عناصر الكتائب الإسلامية داخل تشكيلات عسكرية رسمية أو شبه رسمية يمثل محاولة واضحة للالتفاف على أي عقوبات محتملة قد تستهدف هذه الجماعات بصورة مباشرة.

ويقول متابعون للشأن السوداني إن استخدام أسماء وتكوينات عسكرية جديدة يمنح الجيش مساحة للمناورة السياسية، حيث يمكن تقديم هذه القوات باعتبارها جزءاً من المجهود الحربي الوطني، وليس امتداداً لتنظيمات أيديولوجية بعينها.

كما يساهم هذا الأسلوب في تقليل الضغوط الخارجية المتعلقة بملف الإسلاميين داخل السودان، خصوصاً مع استمرار الجدل الدولي حول مستقبل السلطة بعد انتهاء الحرب.

عودة الإسلاميين إلى مؤسسات الدولة

بالتوازي مع التحولات العسكرية، تتزايد المؤشرات المتعلقة بعودة كوادر محسوبة على الحركة الإسلامية إلى مواقع مؤثرة داخل أجهزة الدولة السودانية.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحرب الحالية وفرت بيئة مناسبة لإعادة تمكين بعض القيادات المرتبطة بالنظام السابق، مستفيدة من حالة الفراغ الإداري والانهيار المؤسسي الذي تشهده البلاد.

كما يرى محللون أن الاعتماد العسكري على الكتائب الإسلامية يمنح هذه المجموعات نفوذاً متزايداً داخل دوائر صنع القرار، سواء على المستوى الأمني أو السياسي.

وفي ظل غياب سلطة مدنية مستقرة، تبدو المؤسسة العسكرية هي المركز الرئيسي لإعادة توزيع النفوذ داخل السودان، وهو ما يسمح للحركة الإسلامية بالعودة تدريجياً إلى المشهد من خلال التحالف مع قيادات نافذة داخل الجيش.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى إعادة إنتاج بنية السلطة التي كانت قائمة خلال فترة حكم البشير، لكن بصيغة جديدة تعتمد على التحالفات العسكرية المباشرة بدلاً من الهيمنة الحزبية التقليدية.

تداعيات داخل المؤسسة العسكرية

يثير تصاعد نفوذ الكتائب الإسلامية داخل الجيش السوداني مخاوف متزايدة بشأن مستقبل التماسك الداخلي للمؤسسة العسكرية.

فبحسب متابعين، فإن تنامي دور التشكيلات العقائدية قد يؤدي إلى خلق حالة من الانقسام داخل الجيش، خاصة بين الضباط الذين يرفضون تسييس المؤسسة العسكرية وبين التيارات التي ترى في الإسلاميين حليفاً ضرورياً في مواجهة الدعم السريع.

كما يخشى مراقبون من أن يؤدي الاعتماد المتزايد على الجماعات ذات الخلفيات الأيديولوجية إلى إضعاف الطابع المهني للجيش وتحويله إلى ساحة للصراع السياسي والعقائدي.

وتزداد هذه المخاوف مع تراجع مؤسسات الدولة المدنية، الأمر الذي يرفع من احتمالات تحول القوى المسلحة إلى مراكز نفوذ سياسي مستقلة.

ويرى خبراء أن استمرار هذه المعادلة قد يعقّد أي عملية مستقبلية لإعادة هيكلة الجيش أو دمج القوى المسلحة ضمن مشروع وطني موحد.

المجتمع الدولي يراقب بحذر

تتابع القوى الدولية والإقليمية التطورات داخل السودان بقلق متزايد، خاصة مع تصاعد التقارير المتعلقة بعودة الجماعات الإسلامية إلى الواجهة العسكرية والسياسية.

وتخشى أطراف دولية من أن يؤدي استمرار الحرب إلى خلق بيئة تسمح بإعادة إنتاج شبكات الإسلام السياسي داخل مؤسسات الدولة، بما يهدد فرص الانتقال السياسي والاستقرار الإقليمي.

كما أن تنامي نفوذ الكتائب الإسلامية قد ينعكس سلباً على علاقات السودان الخارجية، خصوصاً مع الدول الغربية التي تربط أي دعم سياسي أو اقتصادي بمدى التزام الخرطوم بمسار مدني بعيد عن هيمنة الجماعات العقائدية.

وفي المقابل، يبدو أن الجيش السوداني يحاول الموازنة بين حاجته إلى الدعم العسكري الداخلي وبين تجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي بشأن ملف الإسلاميين.

لكن مراقبين يرون أن هذه المعادلة قد تصبح أكثر صعوبة مع تزايد المؤشرات حول الدور الحقيقي الذي تلعبه الكتائب الإسلامية داخل المعارك الجارية.

السودان أمام مرحلة معقدة

تكشف التطورات الأخيرة أن الحرب السودانية لم تعد مجرد صراع عسكري تقليدي، بل تحولت إلى ساحة لإعادة تشكيل موازين القوى السياسية والأيديولوجية داخل الدولة.

وفي ظل تصاعد نفوذ الكتائب الإسلامية داخل الجيش، تتزايد المخاوف من أن يؤدي استمرار الحرب إلى ترسيخ دور الجماعات العقائدية في مستقبل السودان السياسي والعسكري.

ويرى محللون أن أخطر ما في المشهد الحالي هو غياب مشروع وطني جامع قادر على منع عودة الاستقطاب القديم بين المؤسسة العسكرية والحركة الإسلامية من جهة، والقوى المدنية من جهة أخرى.

ومع استمرار المعارك وتراجع فرص التسوية السياسية، يبدو السودان مقبلاً على مرحلة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع مشاريع إعادة النفوذ السياسي، في وقت تواجه فيه البلاد واحدة من أخطر الأزمات في تاريخها الحديث.

زر الذهاب إلى الأعلى