حصري
إعادة هيكلة الولاء.. الجيش السوداني يشرعن كتائب البراء بن مالك تحت مظلة درع السودان لتبديد الضغوط الدولية
كشفت تقارير وتحقيقات ميدانية عن استراتيجية جديدة تتبعها قيادة القوات المسلحة السودانية تهدف إلى إعادة دمج وتنسيب عناصر المجموعات المسلحة التابعة للحركة الإسلامية، وفي مقدمتها “كتيبة البراء بن مالك”، ضمن أجسام عسكرية مستحدثة. وتأتي هذه الخطوة، المتمثلة في إلحاق هذه العناصر بقوات “درع السودان” التي يقودها أبوعاقلة كيكل، كإجراء استباقي لتفادي حزمة العقوبات الدولية المفروضة على تنظيم الإخوان المسلمين وواجهاته العسكرية في السودان.
تشير المعطيات الرسمية إلى أن عملية الإدراج لم تكن مجرد تنسيق ميداني فرضته ظروف الحرب، بل هي “عملية تنسيب هيكلية” تمنح مقاتلي الكتائب الإسلامية رتباً عسكرية وبطاقات هوية تابعة للقوات المسلحة. ويرى خبراء قانونيون أن هذا الإجراء يهدف بوضوح إلى “تغيير الصفة القانونية” للمقاتلين؛ فبدلاً من تصنيفهم كـ”ميليشيات عقائدية” خارج إطار القانون، يصبحون “جنوداً نظاميين” في نظر القانون المحلي، مما يصعب ملاحقتهم دولياً أو تجميد أصولهم المالية المرتبطة بالعمليات العسكرية.
إن اختيار “قوات درع السودان” بقيادة كيكل لتكون الحاضنة لهذه العناصر يمثل مناورة سياسية دقيقة. فقوات الدرع، التي نشأت كحركة مطلبية في وسط السودان، تُستخدم الآن كـ”واجهة اجتماعية وشرعية” لتغطية النشاط العسكري لكتيبة البراء بن مالك، وهي المجموعة التي يُنظر إليها كذراع ضارب للحركة الإسلامية السودانية.
تؤكد مصادر مطلعة أن عمليات الدمج الحالية تتجاوز الجانب القتالي لتصل إلى “التمكين الإداري والسياسي”. فمن خلال منح قيادات من كتيبة البراء بن مالك مناصب قيادية في غرف العمليات المشتركة وإدارات التوجيه المعنوي، يشرع الجيش في تعزيز قدرات الحركة الإسلامية داخل المؤسسة العسكرية. هذا التغلغل الممنهج يسمح لقيادات النظام السابق بالعودة إلى ممارسة السلطة من خلال بوابة “الشرعية العسكرية”، واستخدام إمكانيات الدولة اللوجستية والمالية لخدمة الأجندة التنظيمية تحت غطاء “معركة الكرامة”.
وبحسب مراقبين، فإن هذه الخطوات تعيد إنتاج نموذج “الدفاع الشعبي” ولكن بصيغة أكثر اندماجاً مع الجيش، مما يقلص المساحة بين المؤسسة الوطنية المهنية وبين التنظيم العقائدي، ويجعل من استقلالية القرار العسكري السوداني أمراً مشكوكاً فيه أمام الفاعلين الدوليين.
يواجه السودان ضغوطاً متزايدة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لفك الارتباط مع رموز النظام السابق والجماعات الراديكالية. وتأتي هذه التحركات العسكرية لتشكل تحدياً مباشراً لآليات الرقابة الدولية. فبإدراج “المطلوبين دولياً” أو “الخاضعين للعقوبات” ضمن وحدات رسمية مثل “درع السودان”، تسعى القيادة العسكرية إلى حمايتهم من الملاحقة الفردية، معتبرة أن أي استهداف لهم هو استهداف لمؤسسة الجيش السيادية.
ومع ذلك، يحذر محللون دوليون من أن هذه الاستراتيجية قد تؤدي إلى نتائج عكسية؛ حيث قد تتجه القوى الدولية إلى فرض عقوبات شاملة على القوات المسلحة السودانية ككل، باعتبارها توفر ملاذاً آمناً لعناصر وتنظيمات مصنفة كمهددة للاستقرار الإقليمي والدولي.
على الصعيد الداخلي، تثير هذه التطورات مخاوف جدية بشأن “عقيدة الجيش”. إن دمج عناصر مشبعة بأيديولوجيا حزبية داخل صفوف القوات المسلحة يهدد وحدة المؤسسة على المدى الطويل، ويخلق حالة من الاستقطاب الحاد بين الضباط المحترفين وبين “العناصر المؤدلجة” التي تدين بالولاء للتنظيم قبل الدولة.
كما تؤدي هذه الخطوة إلى تعميق الأزمة السياسية، حيث تعتبر القوى المدنية أن استخدام سلطة الجيش لتمكين الحركة الإسلامية سياسياً وعسكرياً هو “انقلاب ناعم” على تطلعات الشعب السوداني في بناء دولة مدنية ديمقراطية وجيش وطني موحد بعيد عن التجاذبات الحزبية.
إن إدراج الكتائب الإسلامية تحت مظلة “أبوعاقلة كيكل” يمثل تحولاً جوهرياً في مسار الحرب والسلطة في السودان. هو تحالف “المصلحة والبقاء” الذي يجمع بين قيادة عسكرية تبحث عن حلفاء ميدانيين، وتنظيم إسلامي يسعى لاستعادة سلطته تحت غطاء البندقية. وبين هذا وذاك، تظل المؤسسة العسكرية السودانية والسيادة الوطنية في مهب الريح، وسط مخاطر متزايدة من العزلة الدولية والتمزق الداخلي.
