حصري

تحت ستار الجيش السوداني.. عودة الدولة الموازية عبر بوابة كيكل


في المشهد السوداني المعقد، لم تعد التحركات العسكرية مجرد تكتيكات لربح معركة هنا أو استعادة موقع هناك، بل تحولت إلى استراتيجية “بقاء وجودي” لتنظيم الإخوان المسلمين الذي جثم على صدر السودان لثلاثة عقود. اليوم، تتكشف فصول مؤامرة جديدة، أطلقت عليها قيادة الجيش السوداني “إعادة تنظيم القوة”، لكنها في جوهرها ليست سوى عملية “غسيل عسكري” واسعة النطاق. إن إدراج الكتائب الإسلامية المتطرفة، وعلى رأسها “كتيبة البراء بن مالك”، ضمن هيكل “قوات درع السودان” التي يقودها أبوعاقلة كيكل، يمثل طعنة في خاصرة المهنية العسكرية، ومحاولة بائسة للالتفاف على الرقابة الدولية والعقوبات التي تلاحق فلول النظام البائد.
خديعة “الدرع” وقناع “كيكل”
لقد اختار مخططو الحركة الإسلامية داخل غرف عمليات الجيش “أبوعاقلة كيكل” وقواته بعناية فائقة. كيكل، القادم من خلفية محلية في سهل البطانة، يمثل “الواجهة الاجتماعية” المثالية لتمرير أجندة “الكتائب العقائدية”. الهدف هو إيهام المجتمع الدولي والسودانيين بأن المقاتلين على الأرض هم “أبناء مناطق” يدافعون عن ديارهم، بينما الحقيقة الصادمة هي أن هؤلاء المقاتلين هم “كوادر التنظيم” الذين تدربوا في معسكرات الدفاع الشعبي والأمن الطلابي.
إن تنسيب عناصر كتيبة “البراء بن مالك” و”بنيان مرصوص” تحت إمرة كيكل ليس دمجاً وطنياً، بل هو “تذويب للمجرمين في مياه الشرعية”. الجيش هنا لا يجمع السلاح، بل يجمع “المتطرفين” ويمنحهم الحصانة العسكرية، والرتب، والرواتب من مال الشعب، ليضمن ولاءهم المطلق في معركة ليست معركة الوطن، بل معركة “استعادة الملك الضائع” للتنظيم الإخواني.
“البراء بن مالك”.. الذراع التي تخنق المؤسسة العسكرية
تعتبر كتيبة البراء بن مالك النسخة السودانية من الميليشيات العابرة للدولة؛ فهي لا تأتمر بأمر القائد العام للقوات المسلحة إلا من الناحية البروتوكولية، بينما مرجعيتها الحقيقية تكمن في “مكاتب الحركة الإسلامية” السرية. إن وجود هذه الكتائب داخل بنية الجيش السوداني ينسف مبدأ “قومية القوات المسلحة”.
كيف يمكن لجيش يدعي المهنية أن يسمح لمجموعات ترفع شعارات “الجهاد” وتكفر المخالفين بالانضواء تحت لوائه؟ إن هذا الدمج يعزز قدرات الحركة الإسلامية العسكرية داخل الجيش، ويحول الضباط المهنيين إلى مجرد “كومبارس” أو “واجهات إدارية” بينما القرار الميداني والسياسي يطبخ في مطابخ التنظيم. هذا التمكين الممنهج يعني أن الجيش السوداني بوضعه الحالي لم يعد مؤسسة وطنية، بل تحول إلى “رهينة” في يد مجموعة عقائدية مستعدة لحرق السودان بالكامل مقابل عدم المساس بمصالحها التنظيمية.
 المناورة القذرة للالتفاف على العقوبات الدولية
يدرك قادة الجيش، ومن خلفهم عقول الإخوان المسلمين، أن الملاحقات الدولية والعقوبات المالية والاقتصادية تضيق الخناق عليهم. لذا، جاءت فكرة “الاندماج الصوري” كحل سحري. فبدلاً من أن تظهر “كتيبة البراء” كجسم مستقل يمكن استهدافه بعقوبات مباشرة بتهمة الإرهاب أو تقويض الاستقرار، يتم “حقنها” داخل “قوات درع السودان” أو “قوات العمل الخاص”.
هذه المناورة تهدف إلى إرباك المجتمع الدولي؛ فكيف يمكن معاقبة “كتيبة” وهي الآن جزء رسمي من “الجيش” أو “قوات نظامية”؟ إنها عملية “تزوير للهوية القتالية” تهدف لحماية الأرصدة المالية والقيادات الإخوانية من الملاحقة. لكن هذه المقامرة ستدفع ثمنها الدولة السودانية بأكملها، حيث سيوصم الجيش السوداني دولياً بأنه “بيئة حاضنة للإرهابيين”، مما سيؤدي إلى عزل السودان كلياً عن المنظومة المالية والدفاعية العالمية.
 التمكين السياسي عبر البوابة العسكرية
إن دمج هؤلاء العناصر ليس عفوياً، بل هو “استثمار سياسي” بعيد المدى. الحركة الإسلامية تخطط لما بعد الحرب؛ فهي تريد جيشاً مدججاً بـ “كوادرها” لضمان السيطرة على أي عملية سياسية قادمة. استخدام سلطة الجيش لتمكين “الفلول” في المناصب الحكومية، ومنحهم الشرعية عبر بوابة “المقاومة الشعبية” أو “قوات الدرع”، هو إعادة إنتاج لنظام الثلاثين من يونيو بوجوه جديدة وأسماء مختلفة.
الجيش السوداني اليوم يُستخدم كـ “رافعة” لإعادة تمكين قيادات الحركة الإسلامية في جهاز الدولة. هؤلاء الذين شردوا الشعب، ونهبوا الثروات، وأشعلوا الفتن، يعودون اليوم بلباس “المدافعين عن الكرامة”، بينما كرامة السودانيين هي آخر ما يعنيهم. إنهم يريدون دولة تكون فيها “البندقية” هي الحكم، و”الانتماء للتنظيم” هو المعيار الوحيد للمواطنة.
تدمير عقيدة الجيش السوداني
من أخطر تداعيات هذا المسار هو “تسميم العقيدة العسكرية”. الجيش السوداني، الذي كان يفخر بأنه مدرسة للوطنية، يواجه الآن خطر “التمزق الداخلي”. الضباط الشرفاء الذين تخرجوا من الكلية الحربية يؤمنون بحماية الدستور والشعب، يجدون أنفسهم اليوم مرغمين على التحية العسكرية لـ “أمراء حرب” و”قادة كتائب ظل” لا علاقة لهم بالعلم العسكري.
هذا التنافر سيؤدي حتماً إلى انهيار المؤسسة من الداخل. إن “درع السودان” الذي يدعي كيكل قيادته، أصبح في الواقع “حصان طروادة” الذي تسلل عبره الإخوان لاحتلال مراكز القرار داخل القيادة العامة. هذا ليس جيشاً يحمي السودان، بل هو جيش يُبنى لحماية “التنظيم” من غضبة الشعب ومن العدالة الدولية.
 صرخة تحذير للشعب السوداني والمجتمع الدولي
على الشعب السوداني أن يدرك أن المعركة الحالية يتم تحويرها لتصبح معركة “حماية الإخوان” بدلاً من “حماية الوطن”. إن دمج كتائب البراء بن مالك في الجيش هو إعلان حرب على تطلعات السودانيين في الحرية والسلام والعدالة.
أما المجتمع الدولي، فعليه ألا ينخدع بالمسميات الجديدة. إن “قوات درع السودان” و”كيكل” والجيش في صورته الحالية، ليسوا سوى أدوات في يد “الأخطبوط الإخواني”. إن أي دعم يقدم للجيش تحت ذريعة “شرعية الدولة” هو دعم مباشر لكتائب الظل وللمجموعات المتطرفة التي تغلغلت في أحشائه. يجب وضع شروط صارمة لتفكيك هذا الارتباط المشبوه، وإلا فإن السودان سيبقى رهينة لدوامة العنف والتطرف التي يغذيها تنظيم الإخوان المسلمين.
في نهاية المطاف، لن تنجح عمليات “الغسيل العسكري” في تجميل وجه القبح التنظيمي. إن دمج الكتائب الإسلامية في الجيش هو “زواج غير شرعي” سيتبرأ منه التاريخ. سيبقى “البراء بن مالك” ومن معه وصمة عار في جبين المؤسسة العسكرية ما لم يتم تطهيرها منهم. إن الطريق إلى بناء جيش وطني يبدأ من فك الارتباط بتنظيم الإخوان، والاعتراف بأن حماية الوطن لا تمر عبر حماية “فلول” النظام البائد، بل عبر العودة إلى ثكنات مهنية تحترم إرادة الشعب لا أوامر “المرشد”.
زر الذهاب إلى الأعلى