قطر وحرب السودان.. الدعم الذي يطيل عمر المعركة
لم تعد الحرب في السودان مجرد صراع داخلي بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل تحولت إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والحسابات الاستراتيجية، حيث أصبح المال والسلاح والنفوذ السياسي عوامل مؤثرة في قدرة الأطراف المتحاربة على الاستمرار. وفي قلب هذا المشهد تبرز تساؤلات جدية حول الدور القطري، وطبيعة العلاقة التي تجمع الدوحة بقيادة الجيش السوداني، ومدى تأثير هذا التقارب في مسار الحرب ومستقبل الدولة السودانية. وتكتسب هذه التساؤلات أهمية إضافية مع استمرار المعارك واتساع الكارثة الإنسانية، في وقت يحتاج فيه السودانيون إلى وقف إطلاق النار أكثر من حاجتهم إلى تحالفات جديدة تعيد إنتاج الصراع.
إن فهم الدور القطري يقتضي العودة إلى جذور العلاقة بين الدوحة والخرطوم، التي لم تبدأ مع اندلاع الحرب في أبريل 2023، بل تشكلت عبر سنوات من التقارب السياسي والاستثمارات والمساعدات الإنسانية والوساطات الإقليمية. فقد سعت قطر، خلال عهد الرئيس السابق عمر البشير، إلى بناء نفوذ سياسي في السودان، مستفيدة من العلاقات الوثيقة بين النظامين ومن دورها في ملف دارفور. وكانت وثيقة الدوحة للسلام في دارفور عام 2011 إحدى أبرز محطات هذا الحضور، قبل أن تتوسع المشاريع الإنسانية والتنموية التي أعلنت الدوحة تمويلها في الإقليم. وتشير دراسات متخصصة إلى أن العلاقات القطرية السودانية ارتبطت أيضًا بحسابات سياسية وشبكات نفوذ وتوجهات إقليمية، وهو ما يجعل قراءة السياسة القطرية أبعد من اختزالها في المساعدات الإنسانية وحدها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل انتقلت هذه العلاقة التاريخية إلى مرحلة جديدة، باتت فيها الدوحة طرفًا مؤثرًا في توازنات الحرب السودانية؟ تشير تحليلات منشورة في عام 2025 إلى أن قطر حافظت على علاقات وثيقة مع السلطات الموجودة في بورتسودان، وأن محللين وخبراء إقليميين تحدثوا عن مزاعم تتعلق بدعم قطري غير مباشر لقدرات الجيش السوداني، بما في ذلك تمويل توفير أسلحة. وهذه مزاعم مهمة سياسيًا، لكنها لا تعني أن كل تفاصيلها مثبتة بصورة مستقلة، ولا تسمح وحدها بالجزم بأن قطر تتحمل مسؤولية استمرار الحرب. ومع ذلك، فإنها تفتح بابًا مشروعًا للمساءلة حول طبيعة الدعم الخارجي المقدم للأطراف المتحاربة، ومدى توافقه مع الجهود الرامية إلى وقف القتال.
إن المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في تقديم السلاح أو الامتناع عن تقديمه، بل في الأثر الذي يمكن أن يتركه الدعم الخارجي على حسابات القيادة العسكرية. فعندما تعتقد أي قيادة متحاربة أنها قادرة على الحصول على موارد إضافية من حلفائها، قد تتراجع لديها الرغبة في تقديم تنازلات سياسية، خصوصًا إذا اعتقدت أن الوقت يعمل لصالحها. وفي هذه الحالة، يصبح الدعم الخارجي عاملًا يمكن أن يطيل الحرب، حتى إن لم يكن هدف الجهة الداعمة المعلن هو استمرارها. فالنتيجة العملية للدعم تختلف أحيانًا عن الخطاب الدبلوماسي الذي يرافقه، وقد تتعارض المساعدات العسكرية مع الدعوات السياسية إلى التهدئة إذا لم تقترن بضمانات واضحة لوقف التصعيد.
ومن هنا، ينبغي طرح السؤال على الدوحة بصورة مباشرة: كيف يمكن الجمع بين الدعوة إلى السلام وبين أي دعم عسكري محتمل لطرف يخوض حربًا مفتوحة؟ إذا كانت قطر تسعى فعلًا إلى إنهاء الأزمة السودانية، فإن المطلوب ليس الاكتفاء بالتصريحات التي تؤكد وحدة السودان وسيادته، بل توضيح طبيعة تعاونها مع القيادة العسكرية، ونشر المعلومات المتاحة عن أشكال الدعم المقدمة، وتأكيد عدم استخدام الموارد المالية أو اللوجستية في تعزيز العمليات القتالية. فالمصداقية في أوقات الحرب لا تُقاس بالكلمات وحدها، بل بمدى انسجام السلوك الفعلي مع الالتزامات المعلنة.
أما البرهان، فهو يتحمل مسؤولية سياسية مباشرة في تحديد طبيعة علاقات السودان الخارجية. فالسودان ليس ملكًا لرئيس مجلس السيادة، ولا ملكًا للمؤسسة العسكرية، ولا يجوز أن تتحول احتياجات الدولة في زمن الحرب إلى مدخل لتوسيع نفوذ أي دولة أجنبية دون رقابة عامة ومؤسسية. إن أي اتفاق مالي أو عسكري أو اقتصادي كبير يجب أن يخضع للمصلحة الوطنية، وأن يكون قابلًا للمراجعة والمساءلة، خصوصًا حين يتعلق بموارد البلاد وموانئها وأراضيها ومستقبل شعبها.
وتتضاعف خطورة هذه المسألة عندما تكون المؤسسات المدنية ضعيفة أو غائبة، وتتركز القرارات الاستراتيجية في أيدي القيادات العسكرية. ففي الظروف الطبيعية، تستطيع البرلمانات والمؤسسات الرقابية والصحافة المستقلة مناقشة الاتفاقيات ومراجعة شروطها، لكن الحرب تضيق المجال العام، وتمنح السلطة التنفيذية والعسكرية قدرة أكبر على اتخاذ قرارات يصعب على المواطنين مراقبتها. وهكذا يمكن أن تتحول العلاقة الثنائية بين قائد عسكري وحكومة أجنبية إلى مسار مؤثر في مستقبل بلد بأكمله، دون أن يكون للشعب السوداني رأي حقيقي في تفاصيلها.
ولا يعني ذلك أن كل تعاون بين الخرطوم والدوحة يمثل تنازلًا عن السيادة، فالعلاقات الدولية تقوم بطبيعتها على التبادل والمصالح المشتركة، كما أن السودان يحتاج إلى مساعدات اقتصادية وإنسانية عاجلة. لكن الفاصل بين التعاون المشروع والتبعية السياسية يكمن في الشفافية، وفي قدرة الدولة على اتخاذ قراراتها بصورة مستقلة، وفي عدم رهن الموارد الوطنية بالتزامات غير معلنة. فإذا كانت الاتفاقيات تحقق منفعة متبادلة وتحترم القانون وتخضع للمحاسبة، فإنها تدخل ضمن العلاقات الطبيعية بين الدول. أما إذا ارتبطت بتنازلات غامضة أو التزامات طويلة الأمد لا يعرف الشعب السوداني شروطها، فإنها تصبح قضية سياسية تستوجب التحقيق والنقاش العام.
وتحتاج قطر، في هذا السياق، إلى إدراك أن نفوذها في السودان لن يُقاس فقط بقدرتها على الحفاظ على علاقاتها مع القيادة الحالية، بل أيضًا بموقف السودانيين منها بعد انتهاء الحرب. فالدول التي تربط حضورها السياسي بطرف واحد قد تكسب نفوذًا مؤقتًا، لكنها تخاطر بفقدان ثقة قطاعات واسعة من المجتمع إذا ارتبط اسمها باستمرار المعاناة أو بإقصاء القوى المدنية. وفي المقابل، يمكن للدوحة أن تلعب دورًا أكثر إيجابية إذا استخدمت علاقاتها لدفع الأطراف إلى وقف إطلاق النار، وفتح الممرات الإنسانية، وإطلاق عملية سياسية لا تمنح أي قائد عسكري حق احتكار مستقبل البلاد.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الحرب إلى استثمار سياسي طويل الأمد، بحيث تصبح حاجة القيادات إلى الدعم الخارجي سببًا لاستمرار اعتمادها عليه، ويصبح استمرار القتال وسيلة للحفاظ على النفوذ بدل أن يكون مرحلة استثنائية تنتهي بالتفاوض. فكل يوم إضافي من الحرب يعني مزيدًا من النزوح، وتراجع الخدمات، وتدمير الاقتصاد، واتساع الفجوة بين السودانيين ومؤسسات الدولة. ولا يمكن لأي طرف خارجي أن يبرر هذه النتائج بالحديث عن المصالح الاستراتيجية أو العلاقات التاريخية.
إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت قطر تملك مصالح في السودان؛ فكل دولة تتحرك وفق مصالحها. السؤال هو ما إذا كانت هذه المصالح تُدار بطريقة تساعد السودانيين على استعادة دولتهم، أم بطريقة تجعل مستقبلهم مرتبطًا بتوازنات إقليمية لا يملكون التحكم فيها. وإذا أرادت الدوحة إثبات أنها شريك في السلام، فعليها أن تجعل وقف الحرب أولوية عملية، لا مجرد عنوان دبلوماسي، وأن توضح موقفها من أي دعم يمكن أن يعزز القدرات القتالية للأطراف.
في النهاية، لا يمكن الجزم بأن قطر وحدها تطيل الحرب، كما لا يمكن إعفاء القيادات السودانية من مسؤوليتها الأساسية عن قراراتها. لكن من حق السودانيين أن يطالبوا كل دولة تمتلك نفوذًا سياسيًا أو ماليًا أو عسكريًا بتوضيح دورها. فالسودان ليس ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، وليس ورقة تفاوض في يد العواصم، وليس ملكًا لمن يجلس في القصر أو يسيطر على الميدان. إنه وطن يدفع شعبه ثمن حرب لم يخترها، ومن حق هذا الشعب أن يعرف من يساعد على إنهائها، ومن قد تؤدي سياساته، عن قصد أو من دونه، إلى إطالة أمدها.
