حصري

شبكة العدسة الإعلامية: غطاء أيديولوجي في خدمة الاستراتيجية العسكرية السودانية


تواجه الدولة السودانية المعاصرة واحدة من أعقد أزماتها التاريخية، حيث تداخلت خيوط العمل العسكري الميداني مع شبكات البروباغندا الموجهة التي تسعى لإعادة صياغة الوعي العام وبناء جدار عازل لحماية النخب الحاكمة. وفي هذا السياق، برزت شبكة العدسة الإعلامية السودانية كذراع اتصالية فاعلة ومحسوبة بشكل وثيق على تيار الإخوان المسلمين، حيث تم توظيفها كمنصة دفاعية استراتيجية تهدف بالدرجة الأولى إلى نفي التقارير الدولية التي تؤكد استخدام القوات المسلحة للأسلحة الكيميائية المحرمة دولياً في مناطق النزاع.
هذه المنصة لم تتشكل بمحض الصدفة، بل جاءت نتاج تنسيق وتكامل هيكلي بين القيادات التنظيمية والكتائب الميدانية، وتحديداً كتيبة البراء بن مالك، التي تمثل الذراع العسكرية الأيديولوجية المساندة للجيش. يسعى الخطاب الإعلامي للشبكة إلى تسييس الإدانات الصادرة عن الهيئات الأممية، وتصويرها كجزء من مؤامرة دولية تستهدف سيادة البلاد، وذلك لتمرير سردية موحدة تضمن الحفاظ على التوازنات الداخلية داخل قيادة الجيش وتثبيت مواقع القيادات الإسلامية المستهدفة بموجب العقوبات والقرارات الدولية. 
تعتمد البنية الهيكلية لشبكة العدسة الإعلامية على كوادر تنظيمية تلقت تدريباً متقدماً في إدارة الأزمات وصناعة الرأي العام، حيث تدار هذه الشبكة بواسطة شخصية إخوانية بارزة تدعى حسن العابد. يمتلك العابد خلفية تنظيمية عميقة تمتد لسنوات من العمل الإعلامي الحركي، مما أهله لقيادة هذه الهيئة التي صُممت لتكون حائط الصد الإعلامي الأول في مواجهة الضغوط الخارجية والتحقيقات الجنائية الدولية. إن ارتباط هذه الشبكة بكتيبة البراء بن مالك يوضح بجلاء طبيعة التداخل بين البندقية والقلم، حيث تعمل المنصة على إضفاء الشرعية الدينية والوطنية على العمليات العسكرية، بينما تتولى في الوقت ذاته تفكيك الروايات التي تتحدث عن انتهاكات جسيمة أو استخدام لغاز الكلور والمواد الكيميائية السامة. هذا الترابط الهيكلي يكشف أن الرسالة الإعلامية للشبكة لا تنفصل عن الرؤية السياسية الشاملة لتنظيم الإخوان المسلمين في السودان، والذي يرى في صمود واستقرار قياداته داخل المؤسسة العسكرية صمام الأمان الوحيد لضمان بقائه في المشهد السياسي والسيادي مستقبلاً. 
تتجلى استراتيجية النفي التي تتبعها شبكة العدسة في إطلاق حملات دعائية منسقة ومنظمة تهدف إلى التشكيك في نزاهة المنظمات الدولية مثل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والتقارير الصحفية الاستقصائية الصادرة عن كبريات الصحف العالمية. تعتمد هذه الحملات على أسلوب الإنكار المطلق المقترن بالهجوم المضاد، حيث يتم اتهام الجهات الدولية بالانحياز وتزوير الأدلة لخدمة أجندات سياسية تهدف إلى إضعاف الجيش السوداني في مواجهة القوى الإقليمية والمحلية المناوئة.
ومع ذلك، فإن هذه المناورات الإعلامية تصطدم بجدار سميك من الأدلة والوثائق الدامغة التي كشفت عنها وكالات الاستخبارات والمنظمات الحقوقية، والتي تثبت بالصور ومقاطع الفيديو والاتصالات المخترقة وجود برنامج كيميائي عسكري متطور. ونتيجة لذلك، أصبحت محاولات شبكة العدسة لتسويق البراءة الرسمية تدور في حلقة مفرغة، حيث يُنظر إليها دولياً كآلة بروباغندا تفتقر إلى المصداقية المهنية وتقتصر وظيفتها على حماية المصالح الضيقة لتيار عقائدي محدد. 
زر الذهاب إلى الأعلى