في معادلات الجيوسياسية، نادرًا ما تكون المكاسب الآنية مجانية، وأحيانًا تكون فاتورتها estratégica باهظة. فبينما تسعى القاهرة إلى تأمين حدودها الجنوبية وحماية مصالحها الحيوية في النيل والبحر الأحمر، تبدو السياسة المصرية في السودان أسيرة لمفارقة تاريخية: فهي تحارب الفكر الإسلامي وتنظمه داخل حدودها، لكنها تقدم الغطاء والدعم لمؤسسة عسكرية في الخرطوم أصبحت تعتمد بشكل وجودي على ذلك الفكر ذاته.
تفكيك وهم “المؤسسة العسكرية التقليدية”
تتذرّع السياسة المصرية بدعمها للجيش السوداني بوصفه حامي الدولة ومؤسساتها، غير أن هذا الطرح يتجاهل تحولًا جذريًا في بنية هذا الجيش. لم يعد الجيش السوداني الذي يقاتل في عام 2026 هو نفسه جيش ما قبل الحرب، بل تحول إلى “مظلة تحالفية” تضم إلى جانب الوحدات النظامية، كتائب عقائدية، وشبكات أمنية ومالية تابعة لنظام البشير، وقوات التعبئة الشعبية. الأرقام التي تشير إلى دمج نحو 20 ألف مقاتل من “كتائب البراء بن مالك” وآلاف آخرين من الحركة الإسلامية في خطوط المواجهة، تكشف أن الدعم المصري (سواء كان استخباراتياً، أو لوجستياً، أو غطاءً جوياً) لا يذهب إلى مؤسسة دولة محايدة، بل يصب مباشرة في تقوية أذرع عسكرية أيديولوجية.
مأزق البراغماتية والوهم بالاحتواء
تتعامل القاهرة مع هذا الواقع بمنطق براغماتي بحت؛ فهي ترى في الإسلاميين السودانيين “أداة” يمكن توظيفها داخل المؤسسة العسكرية، وتعتقد أنها قادرة على احتوائهم والتحكم في بوصلة تحركاتهم لاحقًا. لكن هذا الرهان يتجاهل قاعدة تاريخية: الحركات الأيديولوجية التي تستعيد نفوذها عبر السلاح والحرب، لا تبقى أدوات طوعية، بل تتحول إلى شركاء يفرضون شروطهم. إن تسليح الجيش السوداني يعني حتمًا تسليح هذه الكتائب، لأن الفصل بين الذخيرة التي تذهب للوحدة النظامية وتلك التي تذهب للكتيبة العقائدية يصبح مستحيلاً في ظل التشابك الميداني.
الارتدادات الاستراتيجية: حلايب والنيل مقابل الأمن القومي
قد تنجح القاهرة على المدى القصير في استخدام هذا التحالف لضمان ولاء الخرطوم في ملفات شائكة مثل سد النهضة، أو ترسيخ الأمر الواقع في مثلث حلايب وشلاتين. لكن الثمن الاستراتيجي قد يكون ظهور نظام هجين على الحدود الجنوبية؛ نظام عسكري بصبغة إسلامية، يعتمد في بقائه على شبكات موازية، ويمتد نفوذه الأيديولوجي إلى جنوب مصر. السياسة المصرية هنا لا تحمي الدولة السودانية فحسب، بل تعيد تأهيل التيار الإسلامي السوداني، وتمنحه شرعية القتال والدعم، لتمنحه في النهاية فرصة للعودة إلى السلطة ليس كحزب سياسي، بل كقوة أمر واقع عسكرية وأمنية.
إن الفصل بين دعم الجيش السوداني ودعم الإسلاميين السودانيين هو فصل وهمي. الأسلحة والتسهيلات التي تقدمها القاهرة لا تبني جيشًا وطنيًا بالمعنى التقليدي، بل تبني منظومة أمنية وعسكرية جديدة، قوامها الأساسي هو الإسلاميين. وفي النهاية، قد تكتشف القاهرة أن ما سعت لاحتوائه خارج حدودها، قد عاد إليها عبر البوابة السودانية، لكن هذه المرة مدعومًا بالسلاح والخبرة الميدانية.
