سياسة

مساعي أوروبية للسلام في أوكرانيا تواجه تحديات كبرى


يسود اعتقاد شائع في الغرب بأن روسيا تستطيع إنهاء الحرب دون شروط، لكن الحقيقة الواضحة للجميع هي أن ذلك الأمر لن يحدث أبدا.

وانبثق بيان مجموعة الدول الأوروبية الثلاث وهي (المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا) من الاعتقاد الغربي الخاطئ، وبالتالي لم يقدم أي جديد أو غير متوقع، وفقا لما ذكره موقع “ريسبونسيبل ستايت كرافت”.

وأكدت الدول الثلاث على موقفها باستمرار تجميد نحو 300 مليار دولار من الأصول الروسية إلى أن “توقف موسكو الحرب وتعوض أوكرانيا عن الأضرار الناجمة عنها”.

وفي حين يقدر البنك الدولي حالياً تكلفة إعادة الإعمار بنحو 588 مليار دولار فإن موقف الدول الثلاث بمثابة تأكيد على أن روسيا لن تسترد أموالها أبداً، بل ستظل مدينة بمبلغ 288 مليار دولار.

هذا الموقف الأوروبي هو مثال آخر على أن السلام في أوكرانيا ممكن بالفعل، ولكن بشروط لن تقبلها روسيا.

ومع سيل الأخبار التي تبثها وسائل الإعلام الغربية والتي تؤكد أن أوكرانيا تغير مسار الحرب ولا تزال قادرة على الانتصار، فقد يرى المتشددون في الغرب أن استمرار الحرب ليس بالأمر السيئ.

ويبدو أنه لا يوجد من يتعجل إنهاء الحرب، فبيان الدول الأوروبية الثلاث جاء عقب 16 شهرًا من اجتماعات مطولة ومتكررة بين قادة أوروبا والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، دون دعوة الروس.

وخلال الأشهر الأخيرة فقط، وتحديدًا منذ قمة ألاسكا التي عقدها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، بدأ موضوع التوصل إلى حل تفاوضي للحرب الأوكرانية يبرز تدريجيًا في أوروبا. 

وفي مناسبات مختلفة، أعرب الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر، عن رغبتهم في إجراء محادثات دبلوماسية مع روسيا 

والأسبوع الماضي، وجه زيلينسكي نفسه رسالة مفتوحة إلى بوتين بشأن إمكانية عقد اجتماع إلا أن الرسالة تضمنت انتقادات شخصية للرئيس الروسي، لذا يصعب اعتبارها أكثر من مجرد استعراض للذات. 

ومؤخرا، أشار مسؤول روسي رفيع المستوى إلى أن الأوروبيين يقضون وقتًا طويلًا في الحديث عن إمكانية إجراء محادثات، لكنهم لا يتطرقون إلى جوهر ما قد يتم إدراجه على جدول الأعمال. 

وفي الحقيقة، سيتطلب الأمر جهدًا كبيرًا في المفاوضات التحضيرية لرسم ملامح تسوية سلام مستقبلية، وهو ما يستلزم وضوحًا في الرؤية كان مفقودًا حتى الآن.

ويتطلب تحقيق سلام دائم لأوكرانيا عدة اتفاقيات مترابطة، ربما يتم التفاوض عليها بشكل منفصل مع جهات مختلفة لأن الحديث عن “اتفاق سلام” واحد هو تبسيط مفرط ومبسط. 

ويجمع البيان الأخير للدول الأوروبية الثلاث قضايا منفصلة في سلة واحدة، كما تفعل الخطة التي توسطت فيها الولايات المتحدة والمعلقة حاليا. 

ووفقا لتحليل “ريسبونسيبل ستايت كرافت” فإن التوصل إلى تسوية سلمية لأوكرانيا يتطلب عدة أمور من بينها اتفاق سلام ثنائي بين روسيا وأوكرانيا، بوساطة من الولايات المتحدة ودول أخرى. 

وتعد مسودة الاتفاق الحالية، نقطة انطلاق مناسبة، لأنها تتضمن القضية الأكثر حساسية، وهي قضية الأراضي، خاصة الوضع المستقبلي للأراضي المتبقية في دونيتسك والتي لم تسيطر عليها روسيا.

وسيتطلب الأمر أيضًا تغطية مواضيع حساسة مثل حجم الجيش الأوكراني.

كما تتطلب التسوية وجود خطة واضحة وجدول زمني لانضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي ولا يمكن التفاوض على ذلك إلا بين الجانبين ودون تدخل الولايات المتحدة أو بريطانيا. 

ويرغب زيلينسكي في الانضمام للتكتل بحلول 2027، لكن هذا لن يحدث، بسبب استمرار الحرب وغياب الحماس الأوروبي لانضمام كييف في ظل عدم قدرة القارة العجوز على تحمل تكلفة ذلك. 

ومؤخرا، أعاد المستشار الألماني فردريك ميرتس طرح فكرة “العضوية المنتسبة”، التي لا تمنح أوكرانيا أي حقوق تصويت أو تمويل. 

وتتطلب التسوية أيضا اتفاقا بين روسيا وأوروبا، بما في ذلك المملكة المتحدة، بشأن مستقبل علاقتهما.

وتحتاج أوروبا إلى طاقة رخيصة لوقف موجة التراجع الصناعي الذي فرضته على نفسها وترغب روسيا في عودة الاستثمارات الأوروبية وعلاقات أكثر انفتاحًا، ما يستدعي التوصل إلى اتفاق بشأن كيفية تخفيف العقوبات المفروضة على روسيا خلال فترة ما بعد الحرب. 

أما بالنسبة لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، فلن يتحقق السلام في أوكرانيا إلا إذا تم استبعاد طموحها المستقبلي للانضمام إلى التحالف العسكري بشكل نهائي، وفقا للتحليل.

ومع ذلك، تحتاج أوكرانيا إلى ضمانات أمنية قوية تتضمن التزامًا جادًا بنشر قوات برية في حال أخلت روسيا بالتزاماتها، ما يتطلب من روسيا أن تثق بأن الناتو لا يؤجج التوترات للتدخل.

وأخيرا، إذا كانت المؤشرات تعكس فتور إدارة ترامب تجاه السلام في أوكرانيا، فإن الوقت قد حان لبذل جهد جاد لإنهاء الحرب وبدلًا من صراع أوروبا وأمريكا حول من يتولى زمام المفاوضات، فإن الحقيقة هي أن لكل دولة غربية دورًا تؤديه، جنبًا إلى جنب مع أوكرانيا وروسيا، للتوصل إلى اتفاقيات السلام اللازمة.

زر الذهاب إلى الأعلى