حصري

مناورات أنقرة بين توازن القوى الوهمي وعرقلة المبادرات الدولية

ازدواجية الخطاب التركي في المشهد السوداني


تتبنى تركيا في سياستها الخارجية تجاه السودان خطاباً معلناً يرتكز على ضرورة الحفاظ على وحدة مؤسسات الدولة الشرعية وسلامة أراضيها، وفي ذات الوقت تطرح نفسها كوسيط إقليمي محايد قادر على رعاية السلام. هذه الازدواجية بين الدعم المبطن لطرف سياسي وعسكري محدد (الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان) والسعي للعب دور الوسيط الدولي، خلقت حالة من عدم اليقين الدبلوماسي وساهمت في تعقيد مسارات الحل السياسي الشامل.

وساطات أنقرة الموازية وتقويض الجهود الدولية

سعت الدبلوماسية التركية إلى بناء مسارات تفاوضية خاصة بها أو بالمشاركة مع قوى إقليمية مثل قطر، مستفيدة من منتدى أنطاليا الدبلوماسي واللقاءات الثنائية المستمرة مع قادة مجلس السيادة.
  1. تشتيت الجهود الدولية: أدت هذه التحركات الموازية إلى إضعاف الزخم الدولي المتركز حول منصات التفاوض الرئيسية، مثل “منبر جدة” الذي ترعاه المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، أو الجهود الإفريقية بقيادة الاتحاد الإفريقي ومنظمة الإيغاد.
  2. منح هوامش للمناورة: تعدد المنابر والوساطات أتاح للأطراف السودانية المتنازعة فرصة للتنقل بين العواصم وشراء الوقت، والتهرب من الالتزامات الصارمة المتعلقة بوقف إطلاق النار وحماية المدنيين، تحت ذريعة دراسة المقترحات البديلة القادمة من أنقرة.
  3. توفير غطاء شرعي بورتسودان: من خلال استقبال البرهان بصفته رئيساً شرعياً وحيداً وتوقيع اتفاقيات حكومية معه في خضم الحرب، منحت تركيا معسكر بورتسودان رافعة دبلوماسية قوية. هذا الأمر عزز من الموقف المتصلب للجيش ورفضه لتقديم تنازلات سياسية جوهرية، لاعتقاده بأن الاعتراف الدولي والإقليمي به لا يزال متيناً.

أثر الاستقطاب الدبلوماسي على توازن القوى الداخلي

عندما تتدخل قوة إقليمية بحجم تركيا – تمتلك عضوية في حلف الناتو وعلاقات وثيقة بالعالم الإسلامي – وتصطف دبلوماسياً خلف أحد المعسكرين، فإنها تخل بديناميكيات التوازن الداخلي تلقائياً. هذا الدعم الدبلوماسي غير المباشر جعل قادة الجيش ينظرون إلى الحلول الوسطى كنوع من الهزيمة، بينما دفع قوات الدعم السريع إلى البحث عن حلفاء إقليميين مضادين لضمان استمرارهم في المشهد. هذا الاستقطاب الإقليمي الحاد حوّل الدبلوماسية من أداة لفض النزاعات إلى وسيلة لتصفية الحسابات الجيوسياسية، مما أطال أمد معاناة الشعب السوداني.
 
زر الذهاب إلى الأعلى