سياسة

من الجرائم إلى التحولات المجتمعية.. أرقام القضاء العراقي تكشف مؤشرات مقلقة


أظهرت بيانات قضائية عراقية لشهر سبتمبر/أيلول الماضي تفاوتاً في خريطة القضايا المسجلة، مع تصدر مخالفات الإقامة من حيث العدد بـ284 دعوى، مقابل 220 دعوى اتجار بالبشر، فضلاً عن رصد 30 حالة انتحار، بما يضع التحديات القانونية والاجتماعية المرتبطة بهذه الملفات أمام الجهات المعنية، بينما تشير هذه الاحصائيات إلى اتجاهات اجتماعية مقلقة.

وتظهر بيانات المجلس المنشورة الثلاثاء، أن بغداد تتصدر المشهد في دعاوى الاتجار بالبشر ومخالفات الإقامة، بينما تتركز حالات الانتحار في محافظات شمالية وأخرى وسطى، في مؤشر على اختلاف طبيعة الظواهر المسجلة وتوزعها بين المناطق العراقية.

وسجلت رئاسات محاكم الاستئناف 220 دعوى مرتبطة بالاتجار بالبشر، تصدرت فيها محكمة استئناف بغداد الكرخ القائمة بـ82 دعوى، تلتها البصرة بـ38 دعوى، ثم بغداد الرصافة بـ27 دعوى. وبذلك استحوذت هذه المحاكم الثلاث على نحو 67 في المئة من مجموع الدعاوى المسجلة، فيما لم تسجل محاكم الاستئناف في النجف وذي قار والمثنى أي دعوى من هذا النوع خلال الشهر المذكور.

ويكشف هذا التركز عن تفاوت واضح في حجم القضايا المسجلة بين المحافظات، لكنه لا يكفي وحده لتحديد المناطق الأكثر انتشاراً للجريمة فعلياً؛ إذ قد ترتبط الأرقام بحجم السكان، وطبيعة النشاط الاقتصادي، وحركة التنقل، ومستوى اكتشاف الجرائم والإبلاغ عنها، فضلاً عن كفاءة إجراءات التحقيق والإحالة إلى القضاء.

وفي ما يتعلق بمخالفات قانون إقامة الأجانب رقم 76 لسنة 2017، بلغ عدد الدعاوى 284، متجاوزاً دعاوى الاتجار بالبشر بـ64 دعوى. وتصدرت بغداد الرصافة القائمة بـ115 دعوى، تلتها بغداد الكرخ بـ76 دعوى، ثم واسط بـ70 دعوى.

واستحوذت هذه المحاكم الثلاث على أكثر من 92 في المئة من إجمالي الدعاوى، وهو تركّز لافت يستدعي التمييز بين المخالفات المرتبطة بطبيعة حركة الأجانب والإقامة في مناطق محددة، وبين حجم الرقابة والتدقيق الذي تمارسه الجهات المعنية.

ولم تسجل محاكم الاستئناف في نينوى وبابل والنجف وذي قار والأنبار والبصرة وصلاح الدين والمثنى وميسان وكربلاء دعاوى تتعلق بمخالفات الإقامة خلال سبتمبر/أيلول الماضي. ولا يعني غياب الدعاوى بالضرورة انعدام المخالفات، بل قد يعكس اختلاف أنماط الرقابة أو الإجراءات القانونية أو حجم الحالات التي وصلت إلى المحاكم.

أما حالات الانتحار، فقد بلغ عددها 30 حالة، تصدرت فيها كركوك بثماني حالات، تلتها نينوى بست حالات، ثم القادسية والمثنى بأربع حالات لكل منهما، والنجف بثلاث، وواسط بحالتين، فيما سجلت ديالى وذي قار وكربلاء حالة واحدة لكل منها. وتستحوذ كركوك ونينوى وحدهما على نحو 47 في المئة من الحالات المسجلة، ما يبرز الحاجة إلى دراسة العوامل الاجتماعية والنفسية والاقتصادية المرتبطة بهذه الظاهرة، من دون استنتاج أسبابها من الأرقام وحدها.

وتؤكد هذه المؤشرات أهمية دور القضاء العراقي في توثيق القضايا وتطبيق القانون ومحاسبة المتورطين وضمان حقوق الضحايا، ولا سيما في جرائم الاتجار بالبشر التي تتطلب تنسيقاً بين المحاكم والأجهزة الأمنية والجهات المختصة بحماية الضحايا. كما تبرز أهمية استخدام البيانات القضائية في تحديد الثغرات القانونية والإجرائية، وتوجيه جهود الوقاية والرقابة إلى المناطق التي تسجل معدلات مرتفعة.

غير أن التعامل مع هذه الأرقام يتطلب أيضاً نشر بيانات دورية قابلة للمقارنة، توضح مسار القضايا ونتائجها، وتفصل بين عدد الدعاوى والجرائم الفعلية والأحكام الصادرة. وفي ملف الانتحار تحديداً، تظل الوقاية مسؤولية مشتركة تتطلب خدمات دعم نفسي واجتماعي، إلى جانب الرصد القضائي. فالإحصاءات لا تقتصر أهميتها على تسجيل الوقائع، بل تكمن في تحويلها إلى أساس لسياسات أكثر فاعلية في حماية المجتمع وتعزيز سيادة القانون.

زر الذهاب إلى الأعلى