أزمة انتماء وأمن.. إسرائيل تواجه نزيفا ديموغرافيا متصاعدا
أظهر تقرير صادر عن الكنيست انخفاضا حادا في عدد الإسرائيليين العائدين من الخارج خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع ارتفاع أعداد المغادرين منها، وفق صحيفة “يديعوت أحرونوت” الاثنين، وهو تحول ديموغرافي مقلق بالنسبة لتل ابيب، إذ لم تعد الهجرة العكسية قادرة على تعويض خروج الإسرائيليين من البلاد.
والأهم أن التراجع لا يبدو مرتبطاً بعامل واحد، بل يتقاطع مع الحرب، وارتفاع كلفة المعيشة، والصعوبات الاقتصادية، والانقسامات السياسية والاجتماعية، إضافة إلى مشكلات العمل والتعليم والتأمين الصحي للعائدين.
ونقلت الصحيفة عن تقرير صادر عن مركز أبحاث ومعلومات الكنيست أنه “رغم تصاعد العداء تجاه إسرائيل في الخارج، انخفض عدد الإسرائيليين الذين يختارون العودة إلى ديارهم بوتيرة حادة في السنوات الأخيرة”.
وثمة غضب شعبي ورسمي في أنحاء العالم تجاه إسرائيل، جراء الحرب على غزة منذ 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023. حيث أسفرت عن مقتل أكثر من 73 ألف فلسطيني وإصابة ما يزيد على 174 ألفا، معظمهم أطفال ونساء، ودمار طال 90 بالمئة من البنية التحتية، مع تكلفة إعادة إعمار قدرتها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار.
وأضافت الصحيفة “يبرز التقرير رقما لافتا، هو انخفاض عدد الإسرائيليين العائدين بنسبة 53 بالمئة بين عامي 2022 و2024”. ويتزامن هذا الانخفاض مع بيانات نشرها أخيرا المكتب المركزي للإحصاء في إسرائيل وباحثون أكاديميون، تظهر ارتفاعا حادا في عدد الإسرائيليين الذين يغادرون البلاد.
وتتجاوز دلالة هذه الأرقام مسألة الهجرة لتلامس قدرة إسرائيل على الحفاظ على قوتها الاقتصادية والبشرية والاجتماعية. فاستمرار خروج أصحاب المهارات، ولا سيما العاملين في التكنولوجيا والطب والهندسة، مع ضعف عودتهم، يمكن أن يفاقم مشكلة استنزاف الكفاءات ويؤثر في سوق العمل والإيرادات الضريبية وقطاعات التكنولوجيا والاقتصاد المتقدم.
كما أن تراجع جاذبية العودة، رغم تصاعد معاداة إسرائيل في الخارج، قد يعكس أزمة أعمق في شعور جزء من الإسرائيليين بالأمن والاستقرار وبمستقبل البلاد، ما يجعل ظاهرة الهجرة مؤشراً على تداعيات الحرب والانقسام السياسي وتكاليف المعيشة على تماسك المجتمع الإسرائيلي وثقته بمستقبل الدولة.
ويشير تقرير الكنيست إلى عوائق بيروقراطية واقتصادية واجتماعية تصعب العودة إلى إسرائيل، بينها طول فترات الانتظار للحصول على تأمين صحي حكومي، وقلة المزايا الممنوحة مقارنة بالمهاجرين الجدد، وتحديات التوظيف، وصعوبات دمج الأطفال في النظام التعليمي”.
وزادت الصحيفة أن “متوسط عدد الإسرائيليين العائدين سنويا بين عامي 2008 و2012 بلغ نحو 9 آلاف و300 شخص، وبين عامي 2013 و2020 انخفض إلى نحو 7 آلاف و400 شخص”.
وتسارع التراجع بعد العام 2020، حيث عاد نحو 8 آلاف إسرائيلي في ذلك العام، مقارنة بنحو 3 آلاف و800 فقط بالعام 2024، وهو أدنى رقم في السنوات الأخيرة.
ووفقا للتقرير، حدث أكبر انخفاض في العام 2023، كما ساهم انخفاض الهجرة العائدة في العجز في ميزان الهجرة الإسرائيلي بين عامي 2022 و2024، والذي يقيس الفرق بين عدد الداخلين إلى البلاد والمغادرين منها.
ووفقا لبيانات المكتب المركزي للإحصاء المذكورة في التقرير، سجلت إسرائيل عجزا في ميزان الهجرة بلغ نحو 140 ألف شخص خلال تلك السنوات الثلاث”.
وأشارت الصحيفة، مستندة إلى التقرير، إلى أنه لطالما شكلت أميركا الشمالية النسبة الأكبر من العائدين الإسرائيليين، إلا أن عدد العائدين منها انخفض بشكل حاد أيضا.
وجاء نحو نصف العائدين بين عامي 2005 و2024 من أميركا الشمالية، بينما عاد 13 بالمئة آخرون من بريطانيا وألمانيا وفرنسا، و6 بالمئة من روسيا وأوكرانيا، وانخفض عدد العائدين من الولايات المتحدة بشكل ملحوظ، من نحو 3 آلاف و700 شخص عام 2020 إلى ألف و500 شخص فقط عام 2024.
ويحدد التقرير عوائق قد تثني الإسرائيليين المقيمين في الخارج عن العودة، أحدها التفاوت بين المساعدات المقدمة للعائدين والمزايا المتاحة للمهاجرين الجدد، وفق الصحيفة.
ويتلقى الإسرائيليون العائدون دعما أقل بكثير في مجالات تشمل المساعدة المالية المباشرة، والضرائب، والتعليم العالي. وفيما يتعلق بالسكن، يشير التقرير إلى أن العائدين غير مؤهلين للحصول على أي مساعدة.
ويمثل التأمين الصحي عقبة رئيسية أخرى. فقد يواجه الإسرائيليون الذين قضوا فترة طويلة في الخارج وتوقفوا عن دفع اشتراكات التأمين الوطني فترة انتظار تصل إلى 6 أشهر قبل استعادة أهليتهم للتأمين الصحي الحكومي.
ووفقا للتقرير، فإن 94 بالمئة من الإسرائيليين الذين فرضت عليهم فترة انتظار مماثلة بين عامي 2022 و2024 لم يدفعوا الرسوم، بل انتظروا ما بين شهرين و6 أشهر دون تغطية صحية حكومية. كما يسلط التقرير الضوء على صعوبات التوظيف، بما في ذلك صعوبة إيجاد عمل في إسرائيل براتب مناسب.
أما بالنسبة للعائدين برفقة زوج أو زوجة غير حامل للجنسية الإسرائيلية، فقد يصبح تنظيم الوضع القانوني للشريك أو الشريكة عملية طويلة تستغرق ما بين 5 و7 سنوات.
والأسر التي لديها أطفال تواجه تحديا آخر، فالعديد من أطفال الإسرائيليين العائدين لديهم قدرة محدودة على القراءة والكتابة باللغة العبرية، في حين أن المساعدة المتاحة من خلال نظام التعليم الإسرائيلي محدودة، وفقا للتقرير.
وبحسب المعطيات الرسمية، يبلغ عدد سكان إسرائيل أكثر من 10 ملايين نسمة، نحو 20 بالمئة منهم من المواطنين العرب.
