إسلام آباد على خط الأزمة الليبية.. مبادرة للوساطة بين الأطراف
بدأت باكستان التوسط لحل الأزمة السياسية المعقدة في ليبيا، في خطوة تعكس رغبتها في استثمار الزخم السياسي الذي اكتسبته بعد دورها في تقريب وجهات النظر بين الولايات المتحدة وإيران، ومحاولة تحويل نجاحاتها الدبلوماسية الإقليمية إلى نفوذ سياسي أوسع على الساحة الدولية.
وقال مصدران باكستانيان لرويترز إن إسلام اباد تتوسط بين الإدارتين المتنافستين في ليبيا، التي تتمركز إحداهما في الشرق والأخرى في الغرب. ومن شأن هذا المسعى الذي لم ترد أنباء بشأنه من قبل أن يعزز، في حال نجاحه، مكانة باكستان الدبلوماسية.
ويأتي هذا الجهد الباكستاني بعد أن راقب متابعون على مدى أشهر مساعي تقودها الولايات المتحدة لإيجاد حل دبلوماسي في ليبيا التي انقسمت بين الإدارتين المتنافستين منذ اندلاع الحرب الأهلية في السنوات التي أعقبت الانتفاضة التي دعمها حلف شمال الأطلسي عام 2011 وأطاحت بمعمر القذافي. ولعبت باكستان دورا محوريا آخر في وساطة بين الولايات المتحدة وإيران هذا العام، وهو ما أشادت به إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرارا.
ونقلت وسائل إعلام ليبية محلية الإثنين، عن مصدر مطلع، انطلاق الجولة الخامسة من اجتماعات الحوار المصغر “4+4” في تونس، بمشاركة ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية، وممثلين عن قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر.
وحسب المصدر، يناقش المشاركون خلال هذه الجولة عدداً من الملفات التي تعد الأكثر حساسية في العملية السياسية، وفي مقدمتها خارطة الطريق، والإطار الزمني للمرحلة المقبلة، والقاعدة الدستورية المنظمة للانتخابات، إضافة إلى ملف رئاسة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وآليات اعتماد المخرجات النهائية للحوار.
وتأتي هذه الجولة استكمالاً للاجتماعات التي ترعاها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، والتي شهدت في الرابع والعشرين من يونيو/حزيران الماضي إعلان التوصل إلى توافق بشأن قانون الانتخابات الرئاسية، إلى جانب تفاهمات حول إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.
لكن هذه الاجتماعات تحتاج الى دفعة قوية لتخرج من إطار النتائج الورقية والمؤتمرات الصحفية إلى التنفيذ، مع ضمانات بالتزام الأطراف بتعهداتها.
وقال أحد المصدرين الباكستانيين إن الولايات المتحدة “على علم تام” بالجهود التي تبذلها إسلام اباد بشأن ليبيا. وأضاف إن هذه الجهود حظيت أيضا بدعم السعودية التي أبرمت العام الماضي اتفاق دفاع مشترك مع باكستان. وتسعى المملكة منذ فترة طويلة إلى بسط نفوذها في ليبيا.
وقال المصدران الباكستانيان إن الجهود بدأت أواخر العام الماضي وإن الطرفين الليبيين طلبا مشاركة باكستان. ولم يتضح إلى أي مدى تنسق باكستان جهودها مع الأطراف المعنية الأخرى في المنطقة.
وتأتي هذه المبادرة في وقت لا تزال فيه ليبيا تعاني من انقسام سياسي ومؤسسي بين سلطات متنافسة في شرق البلاد وغربها، وسط تعثر الجهود الدولية والإقليمية الرامية إلى التوصل إلى تسوية سياسية شاملة تنهي سنوات من الانقسام والصراع.
وتحاول باكستان تقديم نفسها كوسيط قادر على التواصل مع مختلف الأطراف المتنافسة، مستندة إلى سياسة خارجية تقوم على عدم الانخراط المباشر في الاستقطابات الإقليمية الحادة، وهو ما قد يمنحها مساحة للتحرك في ملفات معقدة مثل الأزمة الليبية، نظراً لتداخل العوامل المحلية والإقليمية والدولية فيها.
وتواجه أي مبادرة وساطة في ليبيا تحديات كبيرة، في ظل استمرار الانقسام بين المؤسسات السياسية والعسكرية، وتعدد القوى الفاعلة المحلية، فضلاً عن تضارب مصالح القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في الملف الليبي.
كما أن فشل العديد من المبادرات السابقة، سواء برعاية الأمم المتحدة أو عبر وساطات إقليمية، يعكس صعوبة التوصل إلى تسوية شاملة ومستدامة، الأمر الذي يفرض على أي وسيط جديد التعامل مع شبكة معقدة من المصالح والتحالفات.
ويرى خبراء أن نجاح أي جهد دبلوماسي يتطلب بناء توافقات تدريجية بين الأطراف الليبية، إلى جانب توفير ضمانات إقليمية ودولية تدعم تنفيذ أي اتفاق سياسي محتمل.
وفي حال نجحت باكستان في تحقيق تقدم ملموس في الملف الليبي، فإن ذلك قد يمنحها مكاسب سياسية ودبلوماسية كبيرة، ويعزز صورتها كقوة دبلوماسية صاعدة قادرة على لعب أدوار تتجاوز محيطها الجغرافي التقليدي.
كما قد يسهم نجاح الوساطة في تعزيز نفوذ إسلام آباد داخل العالمين العربي والإسلامي، ويفتح المجال أمامها للعب أدوار أكبر في ملفات إقليمية أخرى، في وقت تسعى فيه العديد من القوى المتوسطة إلى توسيع حضورها وتأثيرها في النظام الدولي المتغير.
لكن، في المقابل، فإن تعقيدات الأزمة الليبية وتداخل مصالح القوى الخارجية تجعل من المهمة الباكستانية اختباراً صعباً، قد يحدد مدى قدرة إسلام آباد على ترسيخ نفسها كوسيط دولي مؤثر في أزمات الشرق الأوسط.
