حصري

المحور المصري–التركي في السودان: تقاطع المصالح وتشكّل نفوذ جديد في قلب الصراع


في خضم الحرب المستمرة في السودان بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، برز تطور إقليمي لافت يتمثل في تشكّل محور مصري–تركي داعم للجيش، وهو محور يعكس تحولات أعمق في بنية العلاقات الإقليمية، ويكشف عن مرحلة جديدة من إدارة الصراعات في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي. هذا التقارب لا يمكن فهمه فقط باعتباره تحالفاً ظرفياً، بل هو نتيجة تداخل معقد لمصالح استراتيجية، ورغبة مشتركة في إعادة رسم موازين النفوذ في منطقة شديدة الحساسية.

التحليل التالي يركز على تفكيك هذا المحور من خلال قراءة أبعاده الاستراتيجية، وأهداف أطرافه، وانعكاساته على مسار الحرب في السودان وعلى التوازنات الإقليمية الأوسع.

 من التنافس إلى التنسيق – التحول في العلاقة المصرية–التركية

شهدت العلاقات بين مصر وتركيا خلال العقد الماضي توتراً حاداً، بلغ حد القطيعة السياسية والتنافس الإقليمي في ملفات عدة، من ليبيا إلى شرق المتوسط. غير أن السنوات الأخيرة حملت مؤشرات واضحة على إعادة التموضع، حيث بدأ الطرفان في تبني مقاربة أكثر براغماتية تقوم على إدارة الخلاف بدلاً من التصعيد.

في هذا السياق، يشكّل الملف السوداني نقطة التقاء عملية بين البلدين، حيث تراجعت أولوية الخلافات الأيديولوجية لصالح حسابات الأمن القومي والمصالح الجيوسياسية. هذا التحول يعكس إدراكاً متبادلاً بأن استمرار التنافس قد يفتح المجال أمام قوى أخرى لملء الفراغ، بينما يتيح التنسيق فرصة لضبط مسار الأحداث في منطقة حيوية لكليهما.

 السودان كعقدة جيوسياسية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي

يمثل السودان موقعاً استراتيجياً بالغ الأهمية، ليس فقط بسبب مساحته وموارده، بل أيضاً لموقعه الجغرافي الذي يربط بين شمال إفريقيا والقرن الإفريقي، ويطل على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

بالنسبة لمصر، يشكل السودان عمقاً استراتيجياً مباشراً، وأي اضطراب فيه ينعكس فوراً على أمنها القومي، سواء من حيث الحدود أو ملف مياه النيل. لذلك، فإن دعم مؤسسة الجيش يُنظر إليه كخيار يضمن بقاء شريك يمكن التعامل معه ضمن معادلة الدولة.

أما تركيا، فترى في السودان بوابة لتعزيز حضورها في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وهي منطقة تسعى أنقرة إلى ترسيخ نفوذها فيها منذ سنوات، عبر مزيج من الأدوات الاقتصادية والعسكرية. ومن هذا المنطلق، فإن دعم الجيش السوداني ينسجم مع استراتيجية أوسع تهدف إلى بناء نقاط ارتكاز في هذه المنطقة الحيوية.

 بنية المحور – تقاسم أدوار وتكامل وظيفي

ما يميز المحور المصري–التركي هو أنه لا يقوم على تطابق كامل في الأهداف، بل على تقاسم أدوار يحقق لكل طرف مصالحه ضمن إطار مشترك. هذا النمط من التحالفات المرنة أصبح سمة بارزة في السياسة الإقليمية المعاصرة.

في هذا السياق، يمكن فهم الدور المصري باعتباره مرتكزاً على الجغرافيا والدعم اللوجستي البري، إضافة إلى الخبرة في التعامل مع المؤسسة العسكرية السودانية. في المقابل، يتركز الدور التركي في المجالات التقنية والبحرية، إلى جانب توظيف شبكاتها الإقليمية لتعزيز الحضور في البحر الأحمر.

هذا التكامل لا يعني غياب التباينات، لكنه يعكس قدرة الطرفين على إدارة هذه التباينات ضمن إطار عملي يخدم الهدف المشترك، وهو دعم الجيش السوداني كفاعل رئيسي في معادلة السلطة.

 الأثر العملياتي – كيف ينعكس المحور على مسار الحرب؟

يساهم هذا المحور في إعادة تشكيل موازين القوى داخل السودان، ليس بالضرورة عبر الحسم السريع، بل من خلال تعزيز قدرة الجيش على الاستمرار في القتال. فالدعم المنظم، سواء كان لوجستياً أو استخباراتياً أو تقنياً، يمنح الجيش أدوات إضافية للصمود والمناورة.

غير أن هذا النوع من الدعم غالباً ما يؤدي إلى إطالة أمد الصراع، حيث يمنع انهيار أحد الأطراف دون أن يفرض تسوية نهائية. وهنا تتحول الحرب إلى حالة استنزاف ممتد، تتداخل فيها الحسابات الداخلية مع الضغوط الخارجية.

كما أن وجود دعم إقليمي منظم يعقّد أي مسار تفاوضي، إذ يصبح كل طرف مدعوماً بشبكة مصالح أوسع، ما يقلل من حوافز التنازل ويزيد من صعوبة الوصول إلى حل سياسي.

 السودان كساحة صراع نفوذ – من الحرب الداخلية إلى التنافس الإقليمي

أحد أبرز تداعيات هذا المحور هو تسريع تحول السودان من ساحة صراع داخلي إلى ميدان تنافس إقليمي. فمع دخول أطراف متعددة على خط الدعم، تتوسع دائرة الصراع لتشمل حسابات تتجاوز الحدود السودانية.

هذا التحول يحمل مخاطر كبيرة، أبرزها احتمال انزلاق الصراع نحو نموذج “الحروب بالوكالة”، حيث تتواجه القوى الإقليمية بشكل غير مباشر عبر أطراف محلية. في مثل هذا السيناريو، يصبح إنهاء الحرب أكثر تعقيداً، إذ لا يقتصر على توافق داخلي، بل يتطلب أيضاً تفاهمات بين القوى الخارجية.

 دلالات التقارب – إعادة تشكيل التحالفات في الشرق الأوسط

يعكس المحور المصري–التركي تحولاً أوسع في طبيعة التحالفات الإقليمية، حيث تتراجع الاصطفافات التقليدية لصالح تحالفات مرنة تقوم على تقاطع المصالح في ملفات محددة. هذا النمط يتيح للدول التحرك بمرونة أكبر، لكنه في الوقت نفسه يجعل المشهد أكثر تعقيداً وأقل قابلية للتنبؤ.

كما يشير هذا التقارب إلى أن الملفات الإفريقية، وعلى رأسها السودان، أصبحت جزءاً أساسياً من معادلة الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، ولم تعد هامشية كما كانت في السابق.

 السيناريوهات المحتملة

في ضوء هذا المحور، يمكن تصور عدة سيناريوهات لمستقبل الصراع في السودان:

أولاً، استمرار الحرب في إطار استنزاف طويل، مع بقاء ميزان القوى متقارباً نتيجة الدعم الخارجي.

ثانياً، تصاعد التنافس الإقليمي، مع دخول أطراف جديدة، ما قد يؤدي إلى مزيد من التعقيد وربما توسع نطاق الصراع.

ثالثاً، انتقال تدريجي نحو تسوية سياسية، إذا ما توافقت القوى الإقليمية على ضرورة إنهاء الصراع، وهو سيناريو يتطلب تغييراً في حسابات الأطراف الداعمة.

زر الذهاب إلى الأعلى