حصري

الممرات الإنسانية في السودان.. حين تصبح طرق الإغاثة جزءًا من معادلة الحرب


لم تعد الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023 مجرد مواجهة عسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بل تحولت إلى صراع تتداخل فيه الجغرافيا العسكرية مع المصالح الاقتصادية والحسابات الإقليمية، حتى باتت الطرق التي يُفترض أن تحمل الغذاء والدواء إلى المدنيين جزءًا من معادلة النفوذ والسيطرة. ففي بلد تتسع فيه رقعة النزوح، وتتفاقم فيه المجاعة، وتتراجع فيه قدرة المؤسسات الصحية والخدمية على الاستجابة للاحتياجات الأساسية، تصبح الممرات الإنسانية مسألة تتجاوز الجوانب اللوجستية، لتلامس مباشرة ميزان القوة بين أطراف الحرب.

 

وهنا تبرز المعضلة الأكثر حساسية: كيف يمكن ضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها، من دون أن تتحول حرية الحركة عبر الحدود أو المناطق الخاضعة للسيطرة العسكرية إلى فرصة لاستغلال الإغاثة في خدمة أهداف أخرى؟ لا تكمن خطورة هذا السؤال في افتراض أن كل عملية إنسانية تخفي وراءها غرضًا عسكريًا، بل في أن استمرار الحرب خلق بيئة تسمح بتداخل المصالح، وتفرض رقابة أكثر صرامة على كل مسار وشحنة وجهة مستفيدة.

وتزداد هذه الإشكالية تعقيدًا مع تعدد طرق الإمداد وتباين مواقف الأطراف المتحاربة بشأن المناطق التي ينبغي أن تصل إليها المساعدات والجهات التي تتولى توزيعها. فقد وثقت تقارير صحفية متخصصة في الشأن الإنساني عراقيل فرضتها أطراف النزاع على عمليات الإغاثة، إلى جانب مخاوف من تحويل المساعدات أو إخضاعها لشبكات نفوذ محلية، في وقت ظلت فيه مناطق واسعة تعاني من صعوبة الوصول إلى الغذاء والخدمات الأساسية. 

وفي مثل هذه الظروف، لا يعود فتح ممر إنساني وحده دليلًا كافيًا على نجاح العملية، كما لا يكفي إعلان جهة ما استعدادها لتسهيل الإغاثة لإثبات حيادها الكامل. فالمعيار الحقيقي هو قدرة المساعدات على الوصول بصورة منتظمة إلى المدنيين، بعيدًا عن الانتقاء على أساس الولاء أو الموقع الجغرافي، ومن دون فرض ترتيبات تمنح أي طرف عسكري أفضلية سياسية أو ميدانية. وإذا تحولت عملية العبور إلى ورقة تفاوض، أو أصبحت الموافقات الإدارية وسيلة للضغط على المناطق المحاصرة، فإن الوظيفة الإنسانية للممر تتعرض للتآكل، حتى إن ظلت الشحنات تحمل الأسماء والشعارات ذاتها.

وفي المقابل، لا يمكن التعامل مع جميع الاتهامات المتعلقة باستغلال الممرات باعتبارها حقائق ثابتة؛ إذ يتطلب إثبات استخدام طريق إنساني لنقل الأسلحة أو تمويل العمليات العسكرية أدلة قابلة للتحقق، تشمل طبيعة الشحنات ومساراتها والجهات المستفيدة منها. غير أن غياب الشفافية الكافية يترك مساحة واسعة لتبادل الاتهامات، ويضعف ثقة المدنيين في المؤسسات العاملة على الأرض، كما يمنح الأطراف المتحاربة فرصة لتبرير القيود التي تفرضها على حركة الإغاثة. وقد عرضت الحكومة السودانية أمام مجلس الأمن، ضمن مواقفها بشأن إدارة العمل الإنساني، اتهامات باستغلال بعض المسارات من جانب قوات الدعم السريع لإدخال الأسلحة، وهي اتهامات ينبغي التعامل معها باعتبارها موقفًا رسميًا يحتاج إلى تحقق مستقل، لا حكمًا نهائيًا على جميع عمليات الإغاثة. 

وفي ظل هذه المعادلة، يصبح غياب آليات المراقبة المستقلة خطرًا مضاعفًا: فهو لا يحمي المساعدات من الاستغلال فحسب، بل يترك العمل الإنساني نفسه عرضة للتسييس، ويجعل المدنيين يدفعون ثمن الشكوك المتبادلة بين أطراف لا تتوقف عن توظيف الجغرافيا والموارد في صراعها.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمساعدات الإنسانية في السودان ليس مجرد تأخر شحنة أو إغلاق معبر، بل أن تصبح الإغاثة جزءًا من بنية الحرب، فتمنح بعض المناطق ما تحتاج إليه وفق حسابات السيطرة، وتحرم مناطق أخرى من أبسط مقومات البقاء وفق حسابات الخصومة. وعندما يصبح الوصول إلى الغذاء مرتبطًا بموازين القوة، فإن الجوع يتحول من كارثة إنسانية إلى عامل ضغط، ويغدو المدنيون رهائن لمسارات لا يملكون التحكم فيها. لذلك، فإن حماية الممرات الإنسانية لا تتحقق بالشعارات أو بالبيانات الرسمية وحدها، بل برقابة مستقلة على الشحنات، وشفافية في مصادر التمويل والجهات المستفيدة، وضمان وصول الإغاثة إلى جميع المحتاجين من دون تمييز. فالممر الذي لا يحمي استقلاله عن أطراف الحرب قد يظل مفتوحًا على الخريطة، لكنه يفقد جوهره الإنساني على الأرض؛ وحين يحدث ذلك، لا تكون المساعدات قد أخفقت في إنقاذ المدنيين فحسب، بل تكون قد دخلت، من حيث النتيجة، في معادلة تسمح للحرب بأن تستمر.

زر الذهاب إلى الأعلى