حصري

ماذا بعد اتهام الجيش السوداني باستخدام الأسلحة الكيميائية؟


يواجه السودان الآن واحدة من أخطر القضايا الدولية التي ارتبطت بالحرب المستمرة منذ أبريل 2023: اتهامات باستخدام الأسلحة الكيميائية من جانب القوات المسلحة السودانية.

لكن القضية لم تعد تقف عند حدود الاتهام.فالولايات المتحدة أعلنت رسمياً أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية في 2024، وفرضت عقوبات في 2025، ثم وسعت الإجراءات في 2026. وفي المقابل، رفضت الخرطوم الاتهامات، وأعلنت تشكيل لجنة وطنية للتحقيق فيها.

ثم جاءت التحقيقات الصحفية الدولية الجديدة في سبتمبر 2026 لتقدم معلومات إضافية عن برنامج محتمل لتصنيع وتخزين الذخائر الكيميائية.أمام هذا المشهد، يصبح السؤال الأهم: ماذا يمكن أن يحدث بعد ذلك؟

السيناريو الأول: تحقيق دولي مستقل

السيناريو الأكثر أهمية هو أن يتمكن المجتمع الدولي من إطلاق تحقيق فني مستقل.وهذا يمكن أن يتم عبر منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وفق الآليات المنصوص عليها في الاتفاقية.أهمية هذا المسار أنه قادر على الانتقال بالقضية من مستوى الاتهامات السياسية إلى مستوى الأدلة العلمية.فبدلاً من الاعتماد فقط على المعلومات الاستخباراتية أو الصحفية، يمكن للخبراء فحص العينات والذخائر والمواقع والوثائق.

وقد أكدت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في يوليو 2026 أن الأدلة الجنائية الكيميائية يمكن أن تساعد في تحديد المادة المستخدمة، وكيفية إنتاجها، وما إذا كانت مرتبطة بعينات أو حوادث أخرى.

السيناريو الثاني: استمرار العقوبات الأميركية

السيناريو الثاني هو استمرار الضغط الأميركي.ففي أبريل 2025 خلصت الولايات المتحدة إلى أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية، ثم فرضت عقوبات في يونيو.وبعد عدم استيفاء السودان الشروط التي حددها القانون الأميركي، قررت واشنطن في يونيو 2026 فرض عقوبات إضافية دخلت حيز التنفيذ في يوليو.وهذا يعني أن الملف لم يعد مرتبطاً فقط بحادثة ماضية، بل أصبح جزءاً من سياسة أميركية مستمرة.

ويمكن أن تشمل الإجراءات المستقبلية أفراداً وكيانات مرتبطة ببرنامج الأسلحة الكيميائية إذا ظهرت معلومات تحدد المسؤولين عن الإنتاج أو التمويل أو التوريد.

السيناريو الثالث: اتساع نطاق المساءلة

إذا ثبت استخدام الأسلحة الكيميائية، فمن المحتمل أن تنتقل القضية إلى مستوى المسؤولية الفردية.فالقانون الدولي لا يتعامل فقط مع الدول، وإنما يمكن أن يحمل الأفراد مسؤولية الجرائم الدولية.وهذا يعني أن المحققين سيبحثون عن سلسلة القيادة.

من كان يعلم؟من أصدر الأوامر؟من صمم الذخائر؟من أشرف على التصنيع؟من وافق على الاستخدام؟ومن شارك في الهجوم؟وتزداد أهمية هذا السؤال بعد أن تحدثت واشنطن بوست عن وثائق ورسائل عسكرية تشير إلى عمليات تصميم وتصنيع وتخزين وتجريب واستخدام للذخائر الكيميائية.إذا ثبتت صحة هذه الوثائق بصورة مستقلة، فإنها قد تساعد على تحديد المسؤوليات الفردية.

السيناريو الرابع: تحول القضية إلى ملف في مجلس الأمن

يمكن أن تثير نتائج التحقيق الدولي نقاشاً داخل مجلس الأمن.وقد يشمل ذلك الدعوة إلى وقف أي استخدام مستقبلي للأسلحة الكيميائية، ومطالبة الحكومة السودانية بالتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وربما فرض تدابير إضافية على أفراد أو كيانات.لكن هذا المسار سيظل مرتبطاً بالتوازنات السياسية داخل المجلس.لذلك فإن الوصول إلى إجماع دولي لن يكون مضموناً.

السيناريو الخامس: استمرار الغموض

هناك أيضاً احتمال أن يبقى الملف في منطقة رمادية.قد تستمر الولايات المتحدة في اعتبار السودان مسؤولاً عن استخدام الأسلحة الكيميائية، بينما تستمر الخرطوم في النفي، وتستمر الصحافة في نشر أدلة جديدة، من دون أن تحصل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية على وصول كامل إلى المواقع.

في هذه الحالة ستستمر القضية كأداة ضغط سياسي، لكنها ستبقى من دون حسم قانوني دولي نهائي.وهذا السيناريو ليس مستبعداً، خصوصاً في ظل استمرار الحرب وصعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة.

ما الذي يعنيه ذلك للمدنيين؟

هذه هي النقطة الأكثر أهمية.أي استخدام للأسلحة الكيميائية في السودان سيأتي في بيئة إنسانية شديدة الهشاشة.الحرب أدت إلى نزوح واسع وانهيار الخدمات الأساسية، فيما يعاني ملايين المدنيين من انعدام الأمن الغذائي وتراجع الخدمات الصحية.وإضافة خطر المواد الكيميائية إلى هذه البيئة يمكن أن يضاعف الأضرار.

فالمدني الذي يعيش بالقرب من موقع عسكري أو منطقة قتال قد لا يمتلك أي وسيلة للحماية من سحابة سامة.كما أن المرافق الصحية قد لا تمتلك المعدات أو الأدوية اللازمة للتعامل مع الإصابات الكيميائية.ولهذا فإن إثبات استخدام هذه الأسلحة لا يمثل قضية عسكرية فقط، وإنما قضية حماية مدنيين.

ماذا عن العقوبات؟

العقوبات يمكن أن تحقق هدف الردع، لكنها ليست بلا تكلفة.فالسودان يعاني أصلاً من أزمة اقتصادية وإنسانية، وأي قيود إضافية يمكن أن تؤثر بصورة غير مباشرة في الاقتصاد.ولهذا وضعت الولايات المتحدة استثناءات لبعض المساعدات الإنسانية والغذاء ضمن الحزمة الأولى من العقوبات.

لكن التحدي يكمن في ضمان ألا تتحول العقوبات إلى عبء إضافي على المدنيين بدلاً من استهداف المسؤولين.ومن هنا تأتي أهمية العقوبات الفردية والموجهة، عندما تتوافر معلومات كافية لتحديد المسؤولين.

لماذا أصبحت تحقيقات سبتمبر 2026 مهمة؟

لأنها قدمت للمرة الأولى، على نطاق واسع، صورة تقول إن الاتهام قد لا يتعلق بحوادث منفردة فقط.تحقيق واشنطن بوست تحدث عن مواد تشير إلى تخزين مئات الذخائر الكيميائية وتصنيعها واختبارها.أما نيويورك تايمز فتحدثت عن ملف استخباراتي يتضمن صوراً ووثائق ومعلومات عن برنامج عسكري سري لإنتاج ذخائر تعتمد على الكلور.لكن أهمية هذه التقارير لا تعني أنها تحل محل التحقيق الدولي.بل العكس.كلما زادت الأدلة، زادت الحاجة إلى جهة مستقلة تستطيع فحصها.

ما المطلوب من الجيش السوداني؟

إذا كانت الحكومة السودانية مقتنعة بأن الاتهامات كاذبة، فإن أفضل رد يمكن أن يكون عبر فتح الباب أمام تحقيق مستقل.التعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وتقديم الوثائق والسجلات، والسماح بالوصول إلى المواقع، يمكن أن يساعد الخرطوم على مواجهة الاتهامات بأدوات فنية بدلاً من الاكتفاء بالنفي السياسي.

كما أن الإعلان الكامل عن نتائج اللجنة الوطنية يمكن أن يكون جزءاً من عملية بناء الثقة.

وما المطلوب من الولايات المتحدة؟

في المقابل، إذا كانت واشنطن تملك أدلة استخباراتية قوية، فإن مشاركة قدر أكبر منها مع الآليات الدولية قد تساعد في بناء موقف دولي أوسع.العقوبات وحدها لا تكفي لإثبات الحقيقة.كما أن استمرار الاتهام من دون تحقيق مستقل قد يسمح بتحويل القضية إلى جزء من الصراع السياسي.ولهذا فإن أفضل مسار للولايات المتحدة هو دعم التحقيق الدولي وتوفير المعلومات ذات الصلة للجهات المختصة.

وما المطلوب من المجتمع الدولي؟

المطلوب أولاً عدم التعامل مع الاتهامات باعتبارها حقيقة قضائية مكتملة، وفي الوقت نفسه عدم تجاهلها.المعادلة الصحيحة هي: تحقيق مستقل، حماية للضحايا، حفظ للأدلة، ومحاسبة المسؤولين إذا ثبتت الوقائع.فالتساهل مع استخدام الأسلحة الكيميائية يهدد النظام الدولي لحظر هذه الأسلحة.لكن إصدار أحكام نهائية من دون أدلة قابلة للتحقق يمكن أن يضعف مصداقية النظام نفسه.

ملف الأسلحة الكيميائية في السودان دخل مرحلة جديدة.فقد انتقلت القضية من اتهامات غير موثقة بالكامل إلى قرار أميركي رسمي، ثم إلى عقوبات، ثم إلى تحقيقات صحفية قدمت مواد جديدة، وصولاً إلى استمرار النقاش داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.لكن الطريق إلى الحسم لا يزال مفتوحاً.إذا ثبتت الأدلة، فإن السودان سيواجه تبعات سياسية وقانونية أكبر، وقد تبدأ مرحلة البحث عن المسؤولين عن تطوير أو إنتاج أو استخدام الأسلحة الكيميائية.

وإذا لم تثبت، فإن تحقيقاً مستقلاً يمكن أن يضع حداً للاتهامات.وفي الحالتين، يبقى المدنيون هم الطرف الذي يحتاج إلى الحماية أولاً.لذلك فإن الاختبار الحقيقي للمجتمع الدولي ليس فقط في إصدار العقوبات أو البيانات، وإنما في قدرته على الوصول إلى الحقيقة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى