أمريكا

اليورانيوم.. لماذا عجزت أمريكا عن انتزاع هذه الورقة من روسيا؟


لا تزال واشنطن تعتمد على روسيا في جزء مهم من احتياجاتها من اليورانيوم، رغم العقوبات الأمريكية والحديث عن الاستقلال في مجال الطاقة.

وبين 1995 و2013، حوّل برنامج “من ميغاطن إلى ميغاوات” 500 طن متري من اليورانيوم الصالح لصنع القنابل إلى وقود منخفض التخصيب للمفاعلات الأمريكية، مستفيداً من مواد استُخرجت من نحو 20 ألف رأس نووي سوفياتي. 

وأسهم البرنامج في توفير ما يصل إلى 10% من احتياجات الكهرباء الأمريكية، لكنه ترك وراءه فجوة في قدرات التخصيب المحلية، وفقا لمجلة فورين بوليسي الأمريكية. 

وبعد حظر واشنطن واردات اليورانيوم الروسي منخفض التخصيب في أغسطس/ آب 2024، ردت موسكو بحظر مماثل بعد ثلاثة أشهر، لكن الاستثناءات والتراخيص أبقت التجارة قائمة، وحافظت على ورقة ضغط روسية يصعب تجاهلها.

إرث “من ميغاطن إلى ميغاوات”

واستمر البرنامج 18 عاماً، وجرت عمليات تحويل اليورانيوم العسكري وتخفيف تركيزه في أربع منشآت روسية، قبل نقلها إلى بادوكا بولاية كنتاكي. 

وبكلفة بلغت 12 مليار دولار، نجح المشروع في التخلص من أكثر من ربع المخزون العالمي من اليورانيوم المخصص للأسلحة. غير أن المكسب الاستراتيجي ساهم في إضعاف الاستثمار الأمريكي في قدرات التخصيب، حتى توقفت محطة بادوكا، التي كانت منشأة التخصيب المحلية الوحيدة، عن العمل بانتهاء البرنامج.

واليوم، تظل منشأة “يورينكو” في نيو مكسيكو المنشأة التجارية المحلية الأبرز.

وتكشف الأرقام، أن الحظر الأمريكي لم يقطع الاعتماد فعلياً. ففي 2025، وفرت “روساتوم” 26% من خدمات التخصيب التي اشترتها شركات الطاقة النووية الأمريكية، وبلغت مبيعاتها مليار دولار، بزيادة تقارب 70% على متوسط الفترة 2019-2021. 

وبلغت الشحنات 631 مليون دولار بين يناير/ كانون الثاني ويوليو/ تموز فعلياً، ليشكل قطاع اليورانيوم منخفض التخصيب، المعتمد على الإمدادات الروسية، نحو 77% من إيرادات شركة “سينتروس” الأمريكية العام الماضي.

حظران.. وتجارة لم تتوقف

ورغم إعلان واشنطن حظر الواردات في 2024، تسمح الاستثناءات باستيراد نحو 470 طنا من اليورانيوم الروسي سنويا حتى 2028. 

وكانت الكميات المسموح بها في 2024 أقل بنسبة 4% فقط من متوسط الشحنات السابقة للحرب، قبل أن تتراجع النسبة بأكثر قليلاً من 1% سنوياً وصولاً إلى الموعد المفترض للحظر الشامل. 

ولم تكن موسكو أكثر تشدداً؛ فبعد فرض بوتين حظراً على صادرات اليورانيوم منخفض التخصيب إلى الولايات المتحدة، أصدر الكرملين ثلاثة تراخيص سمحت بتسليمات استثنائية، بينها شحنة بلغت 100 طن إلى بالتيمور في فبراير/ شباط 2025. 

وتكتسب هذه التجارة أهمية لموسكو، إذ تمثل الشحنات الأمريكية قرابة نصف إيرادات “روساتوم” من صادرات اليورانيوم منخفض التخصيب.

وتواجه واشنطن سباقاً مع الزمن لتأمين البديل. فقد وفرت “يورينكو” 23% فقط من خدمات التخصيب التي اشترتها شركات المرافق الأمريكية العام الماضي، بينما لا تتوقع ثلاث شركات أمريكية حصلت كل منها على 900 مليون دولار من وزارة الطاقة بدء الإنتاج التجاري قبل ثلاثينيات القرن الحالي. 

وخلص باحثون من مختبر “لورانس ليفرمور” الوطني إلى أن الإنتاج المحلي لن يكون كافياً لاستبدال الإمدادات الروسية بحلول نهاية العقد.

سوق ضيقة

لا تبدو البدائل الخارجية واسعة أيضاً، إذ تهيمن أربع شركات على قدرات التخصيب العالمية: “روساتوم” بنسبة 43%، و”يورينكو” 25%، والمؤسسة الوطنية النووية الصينية 20%، و”أورانو” الفرنسية 11%. 

ولا تمثل الصين خياراً سهلاً، بينما تبقى “يورينكو” و”أورانو” أقرب البدائل، رغم محدودية طاقاتهما وتأخر توسعاتهما إلى ما بعد 2028. 

وتسعى أوروبا أيضاً إلى تقليص اعتمادها على روسيا، ما يضعها والولايات المتحدة أمام منافسة على الإمدادات.

وتزداد حساسية المسألة مع خطط واشنطن لتوسيع المفاعلات المتقدمة لتلبية احتياجات الذكاء الاصطناعي. فبعض هذه المفاعلات يعتمد وقوداً من نوع منخفض التخصيب لا توفره تجارياً على نطاق واسع سوى “روساتوم”. 

كما أن قانون العقوبات الجديد على روسيا وإيران أبقى، وفق النص، مساحات للاستثناءات، بما قد يؤجل تشديد القيود على “روساتوم”. وهكذا، لا تبدو شحنات اليورانيوم الروسية مجرد تجارة بمليار دولار سنوياً، بل ورقة نفوذ مرتبطة بأمن الطاقة النووية. 

ومع استمرار الاتصالات الأمريكية الروسية، تظل هذه الورقة في يد موسكو إلى أن تتمكن واشنطن من بناء بديل قادر على سد الفجوة.

زر الذهاب إلى الأعلى