الشرق الأوسط

بغداد تتجه نحو قانون جديد ضمن استراتيجية مكافحة التطرف


في ظل تصاعد التوترات الاجتماعية والسياسية التي تشهدها الساحة العراقية، وامتداد تداعيات الانقسام الطائفي الذي تعمّق أكثر بعد الحرب الأخيرة مع إيران، تتجه بغداد إلى إعادة صياغة أدواتها في التعامل مع ملف التطرف، عبر مشروع قانون جديد يضع الوقاية في قلب الاستراتيجية بدلاً من الاكتفاء بالمعالجة الأمنية بعد وقوع العنف.
وتعمل السلطات العراقية حالياً على دفع مشروع “قانون الوقاية من التطرف العنيف المؤدي إلى الإرهاب” إلى المسار التشريعي، بعد استكمال صياغته من قبل اللجنة الوطنية لمكافحة التطرف العنيف، عقب نحو عامين من النقاشات والدراسات. ويُنظر إلى هذا المشروع باعتباره محاولة لإرساء إطار قانوني شامل يعالج جذور الظاهرة قبل أن تتحول إلى تهديد أمني مباشر.
وتقوم الفكرة الأساسية للقانون على بناء منظومة إنذار مبكر ترصد المؤشرات السلوكية والفكرية التي قد تدل على قابلية بعض الأفراد للانزلاق نحو التطرف، مع إتاحة أدوات للتدخل الوقائي في مراحل مبكرة، بما يمنع تطور الأفكار المتشددة إلى سلوك عنيف أو جرائم إرهابية.
وفي هذا السياق، أوضح رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة التطرف العنيف علي البديري لصحيفة الصباح العراقية الخميس أن التشريعات العراقية الحالية ما تزال تركز على مرحلة ما بعد وقوع الجريمة، ما يترك فراغاً تشريعياً في مجال الوقاية، وهو ما يسعى المشروع الجديد إلى معالجته من خلال تقديم رؤية تعتمد على التدخل المبكر والمعالجة التدريجية بدل المقاربة العقابية البحتة.
ويتضمن المشروع وفق البديري حزمة من الأدوات غير التقليدية، تشمل برامج لإعادة التأهيل النفسي والفكري، إضافة إلى اعتماد بدائل عقابية في بعض الحالات، مثل التدابير الإصلاحية والغرامات، مع التركيز على إعادة دمج الأفراد المعرضين للتطرف داخل النسيج الاجتماعي بدل عزلهم أو دفعهم نحو مزيد من التشدد.
كما ينص المقترح على إنشاء مراكز متخصصة تُعنى بمتابعة الحالات التي تظهر عليها مؤشرات تطرف، سواء على المستوى الفكري أو السلوكي، بهدف تقديم الدعم النفسي والإرشاد الفكري، والحد من تأثير خطاب التحريض والكراهية الذي يتغذى غالباً على الأزمات الاجتماعية والاقتصادية.
ويأتي هذا التحول التشريعي في سياق إدراك متزايد داخل المؤسسات العراقية بأن الحلول الأمنية وحدها لم تعد كافية، خاصة بعد سنوات من المواجهة مع تنظيمات متشددة، أبرزها تنظيم داعش، الذي رغم هزيمته عسكرياً، ترك وراءه بيئة فكرية واجتماعية لا تزال قادرة على إعادة إنتاج التطرف بأشكال مختلفة.
وتشير قراءات سياسية إلى أن المشروع الجديد يعكس محاولة لإعادة بناء مقاربة شاملة تأخذ بعين الاعتبار التحديات المركبة التي يواجهها المجتمع العراقي، خصوصاً في ظل استمرار مظاهر الانقسام الطائفي، وتزايد الضغوط الاقتصادية التي قد تُستغل في عمليات الاستقطاب الفكري.
وعلى خط موازٍ، ينسجم هذا التوجه مع اتجاهات دولية متنامية تعتمد مفهوم “مكافحة التطرف العنيف” القائم على الوقاية والتأهيل، بدلاً من التركيز الحصري على المقاربات الأمنية، حيث تبنت عدة دول برامج تعليمية ونفسية ومجتمعية للحد من انتشار الفكر المتشدد.
لكن في المقابل، يثير المشروع نقاشاً واسعاً بشأن الحدود الفاصلة بين مكافحة التطرف وحماية الحريات العامة، إذ تحذر بعض الجهات الحقوقية من احتمال توسع تعريف التطرف بما قد يفتح الباب أمام تقييد حرية التعبير أو استخدام القانون بشكل فضفاض.
غير أن الجهات الرسمية تؤكد أن النص المقترح لا يستهدف الآراء أو المواقف الفكرية، بل يركز حصراً على السلوكيات والخطابات التي تدعو إلى العنف أو التحريض الطائفي، مع التشديد على احترام الدستور وحقوق الإنسان.
ويشير مراقبون إلى أن نجاح هذا المشروع لن يتوقف على الإطار القانوني فقط، بل على قدرة الدولة في تطبيق برامج تأهيل فعالة، ومعالجة جذور التهميش الاجتماعي، التي تُعد بيئة خصبة لانتشار الأفكار المتطرفة.

زر الذهاب إلى الأعلى