تحقيقات الغارات المصرية في السودان أمام اختبار كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين
تتجه الأنظار إلى لجنة تقصي الحقائق التي أعلن رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني عبد الفتاح البرهان تشكيلها للتحقيق في الغارات الجوية التي استهدفت منقّبين تقليديين عن الذهب في منطقة حدودية بين السودان ومصر، وسط تساؤلات بشأن قدرة التحقيق على تحديد ملابسات العملية وكشف المسؤوليات وتقديم إجابات واضحة لأسر الضحايا.

وبحسب تقرير نشرته شبكة «عاين» السودانية، استخدمت الغارات مقاتلات «إف-16» وقنابل مصرية الصنع غير موجّهة، تزن الواحدة منها نحو 400 كيلوغرام، فيما أشارت تقديرات أولية إلى سقوط عشرات القتلى مع احتمال ارتفاع الحصيلة النهائية. وفي ظل اختلاف الأرقام وتباين الروايات بشأن طبيعة العملية، يصبح التحقيق المستقل ضرورة أساسية لتحديد ما حدث، بدلًا من ترك القضية رهينة التصريحات الرسمية والشهادات المتفرقة التي قد لا تكون كافية وحدها لإعادة بناء تفاصيل الهجوم.

وتبدأ مهمة التحقيق من التحقق من الوقائع الأساسية، وفي مقدمتها تحديد المواقع التي تعرضت للقصف، وعدد الضربات التي نُفذت، وتوقيت كل ضربة، وحجم الأضرار التي لحقت بالأشخاص والممتلكات. كما يتعين على اللجنة، إذا كانت تملك الصلاحيات والإمكانات اللازمة، جمع شهادات الناجين والعاملين في القطاع الصحي والأشخاص الذين وصلوا إلى المنطقة عقب الهجوم، ومقارنتها بالصور ومقاطع الفيديو المتاحة. ويمكن لصور الأقمار الصناعية أن تساعد في تحديد التغيرات التي طرأت على المواقع المستهدفة، بينما قد يتيح فحص بقايا الذخائر التعرف إلى نوع الأسلحة المستخدمة ومصدر تصنيعها. لكن هذه الأدوات لا تعطي بالضرورة إجابات كاملة بمفردها، إذ تحتاج النتائج التقنية إلى مراجعة متخصصة وربطها بشهادات مستقلة ومعلومات موثوقة عن الظروف التي سبقت تنفيذ العملية.

وتبرز مسألة حصيلة الضحايا بوصفها أحد الملفات التي ينبغي التعامل معها بدقة شديدة. فقد أورد التقرير تقديرًا أوليًا بنحو 72 قتيلًا نقله عن محامين مختصين في حالات الطوارئ، بينما تحدث مسؤول صحي عن احتمال ارتفاع العدد إلى ما بين 150 و250 قتيلًا. ولا ينبغي التعامل مع هذه الأرقام باعتبارها حصيلة نهائية ما لم تُدعَم بعمليات حصر موثقة، لأن الظروف التي تعقب الهجمات الواسعة قد تجعل تحديد العدد الدقيق للقتلى والجرحى مهمة معقدة. ومن هنا، تحتاج اللجنة إلى توضيح مصادر الأرقام التي تعتمدها، والتمييز بين القتلى الذين جرى التحقق من هوياتهم، والمفقودين، والمصابين الذين توفوا لاحقًا، والتقديرات التي لا تزال بحاجة إلى تأكيد. ويساعد هذا النهج على الحد من التضارب، ويمنح أسر الضحايا فرصة للحصول على معلومات أكثر موثوقية بشأن مصير ذويها.

ولا تقتصر مهمة التحقيق على تحديد عدد القتلى أو نوع القنابل المستخدمة، بل تشمل أيضًا معرفة الأساس الذي استندت إليه الجهة المنفذة في اختيار الأهداف. فقد أعلنت السلطات المصرية أن العملية تأتي في إطار حملة لمكافحة التعدين غير القانوني لخامات الذهب وحماية الموارد الوطنية. ويتعين، في ضوء ذلك، التحقق من طبيعة المواقع التي استُهدفت، وما إذا كانت المعلومات المتاحة تشير إلى وجود أهداف عسكرية محددة، أو ما إذا كانت الضربات استهدفت تجمعات لأشخاص يمارسون نشاطًا اقتصاديًا. كما ينبغي معرفة ما إذا كانت هناك معلومات مسبقة عن وجود مدنيين في المنطقة، وما إذا اتُخذت احتياطات لتقليل المخاطر عليهم. ولا يمكن استخلاص نتيجة قانونية نهائية من التصريحات العامة وحدها، لأن التقييم يتطلب معرفة الوقائع التفصيلية والظروف التي أحاطت بالهجوم.
.
.
. 
ويشكل التعامل مع الأدلة والشهود تحديًا إضافيًا، خصوصًا في المناطق التي تعاني من انعدام الاستقرار وصعوبة الوصول إليها. فالشهود قد يخشون التحدث علنًا، سواء بسبب مخاوف أمنية أو خشية التعرض للضغط، كما أن بعض الأدلة المادية قد تتعرض للتلف أو التغيير مع مرور الوقت. ولذلك، تحتاج اللجنة إلى إجراءات تضمن توثيق الشهادات بطريقة مهنية، وحفظ الصور والمقاطع المصوّرة ومعلومات مصدرها، وتسجيل سلسلة انتقال الأدلة منذ جمعها حتى فحصها. كما ينبغي تجنب الاعتماد على شهادة واحدة لإثبات جميع تفاصيل الحادثة، والعمل بدلًا من ذلك على مقارنة روايات متعددة مستقلة كلما كان ذلك ممكنًا. ويساعد هذا الأسلوب على التمييز بين المعلومات التي تدعمها أدلة متقاطعة، والادعاءات التي لا تزال بحاجة إلى التحقق.

وتكتسب مسألة الاستقلال أهمية كبيرة في تحديد مدى قبول نتائج التحقيق. فحتى لو تمكنت اللجنة من جمع معلومات مهمة، فإن قيمة النتائج ستتأثر بالطريقة التي تُعرض بها وبمدى وضوح منهجية العمل. ومن الضروري أن توضح اللجنة نطاق مهمتها، والجهات التي استمعت إليها، وأنواع الأدلة التي فحصتها، والمعايير التي استخدمتها في التحقق من المعلومات. كما أن نشر تقرير مفصل، أو ملخص علني يتضمن النتائج الرئيسية والأدلة التي تسمح بالكشف عنها، من شأنه أن يساعد على بناء الثقة، شرط عدم تعريض الشهود للخطر أو الكشف عن معلومات حساسة بصورة غير مسؤولة. أما الاكتفاء ببيان مقتضب لا يوضح الوقائع أو المسؤوليات، فقد يترك الأسئلة الأساسية من دون إجابة ويزيد الشكوك بشأن جدية المساءلة.
ويزيد من أهمية هذا الملف ما أورده التقرير عن حادثة سابقة وقعت في يونيو الماضي، قال الجيش المصري إنها أسفرت عن مقتل 23 منقّبًا عن الذهب، بينما لم تُنشر نتائج التحقيق الذي أُعلن عقبها، بحسب التقرير. ولا يكفي غياب النتائج المنشورة وحده لإثبات أن التحقيق السابق لم يُجرَ أو أنه لم يسفر عن معلومات، لكنه يثير تساؤلات مشروعة بشأن مستوى الشفافية المتاح للرأي العام. وإذا كانت هناك تحقيقات سابقة في حوادث مشابهة، فمن المهم معرفة ما إذا كانت قد حددت أنماطًا متكررة أو أوصت بإجراءات لتقليل الخسائر، وما إذا نُفذت تلك التوصيات. وقد تساعد مقارنة الحادثتين على تحديد ما إذا كانت هناك أوجه تشابه في المواقع أو الأسلحة أو ظروف الاستهداف، من دون افتراض وجود رابط بينهما قبل التحقق من الأدلة.
وتتجاوز المساءلة في هذه القضية الجانب السياسي، لأنها ترتبط بحق أسر الضحايا في معرفة مصير ذويها، وبضرورة تحديد ما إذا كانت هناك مسؤولية قانونية تستوجب اتخاذ إجراءات إضافية. فإذا كشف التحقيق عن وقوع انتهاكات، ينبغي أن يوضح طبيعتها والجهات أو الأفراد الذين يمكن أن يتحملوا المسؤولية، وفقًا للأدلة والإجراءات القانونية المعمول بها. وإذا لم يثبت وقوع انتهاكات، فينبغي أن تكون النتائج مدعومة بتفسير واضح للوقائع التي استند إليها الاستنتاج. وفي الحالتين، فإن إعلان النتائج ليس نهاية المسار بالضرورة؛ إذ قد تتطلب بعض الحالات تحقيقات تكميلية أو إجراءات قضائية أو تدابير لتعويض المتضررين، بحسب ما تكشفه الأدلة وما تقرره الجهات المختصة.
كما أن التعاون بين الجهات السودانية والمصرية قد يكون عنصرًا مهمًا في استكمال الصورة، خصوصًا إذا كانت المعلومات المتعلقة بالطائرات أو الأوامر العسكرية أو التخطيط للعملية موجودة لدى جهات لا تستطيع اللجنة الوصول إليها بصورة مباشرة. ويمكن أن يتضمن هذا التعاون تبادل المعلومات ذات الصلة، وتوضيح المبررات الرسمية للهجوم، والإجابة عن الأسئلة المتعلقة بطبيعة الأهداف والاحتياطات المتخذة. لكن أي تعاون من هذا النوع يحتاج إلى آليات واضحة تضمن التعامل مع الأدلة بجدية، وعدم الاكتفاء بتبادل المواقف السياسية. كما أن حساسية العلاقات بين البلدين لا ينبغي أن تتحول إلى سبب لتأجيل كشف الحقائق المتعلقة بالضحايا أو تجاهل الأسئلة التي يطرحها الحادث.
وفي نهاية المطاف، ستكون قيمة لجنة تقصي الحقائق مرتبطة بما تستطيع تقديمه من معلومات موثوقة، لا بمجرد الإعلان عن تشكيلها. فالقضية تتطلب تحديدًا دقيقًا للخسائر البشرية، وفحصًا مستقلًا للأسلحة والمواقع المستهدفة، وتقييمًا للظروف التي نُفذت فيها الغارات، وتوضيحًا للأساس الذي اعتمدت عليه الجهة المنفذة في اختيار الأهداف. كما تتطلب نشر النتائج بطريقة تسمح للرأي العام بفهم ما جرى، مع حماية الشهود واحترام الإجراءات القانونية. وفي ظل التقارير عن وقوع ضحايا بأعداد كبيرة، لا يمكن اعتبار التحقيق مسألة إدارية ثانوية، بل يمثل خطوة ضرورية لكشف الحقيقة ومنع تكرار الحوادث المشابهة. أما استمرار الغموض، فسيبقي أسر الضحايا أمام أسئلة معلقة، ويجعل القضية مفتوحة أمام روايات متعارضة لا تحسمها إلا الأدلة والتحقيقات الجادة.
