تراجع الجنيه والتضخم يضغطان على معيشة السودانيين
يمثل تراجع قيمة الجنيه السوداني وارتفاع معدلات التضخم أحد أبرز مظاهر الضغوط التي يواجهها الاقتصاد السوداني، في وقت تتداخل فيه أزمة النقد الأجنبي مع ضعف الصادرات وارتفاع تكلفة الواردات واضطراب النشاط التجاري والإنتاجي. ولا تقتصر تداعيات هذه التطورات على المؤشرات المالية وسوق الصرف، بل تمتد بصورة مباشرة إلى أسعار الغذاء والوقود والنقل والخدمات، لتصبح انعكاساتها جزءاً من الحياة اليومية للأسر وأصحاب الأعمال.
وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن التضخم في السودان يظل عند مستويات مرتفعة للغاية؛ إذ يقدّر الصندوق متوسط تضخم أسعار المستهلكين خلال عام 2026 بنحو 75.1%، مع استمرار الاقتصاد في مواجهة اختلالات مالية وخارجية حادة. كما يشير البنك الأفريقي للتنمية إلى أن عدم الاستقرار الاقتصادي الكلي، بما في ذلك التضخم المرتفع والانخفاض الحاد في قيمة العملة، لا يزال من أبرز العقبات أمام التعافي الاقتصادي.
ولا يمكن فصل تراجع قيمة العملة عن مشكلة النقد الأجنبي. فحين يرتفع الطلب على الدولار والعملات الأخرى لتمويل الواردات، بينما تكون موارد الاقتصاد من الصادرات والعملات الأجنبية محدودة، يتزايد الضغط على سعر الصرف. وتصبح العملة المحلية أقل قدرة على شراء العملات الأجنبية، الأمر الذي يرفع تكلفة السلع والمواد التي تعتمد على الاستيراد.
انخفاض العملة يرفع تكلفة الواردات
تراجع قيمة العملة لا يعني فقط تغير الرقم الذي يظهر في سوق الصرف، وإنما يعني ارتفاع التكلفة الفعلية للسلع المستوردة. فعندما يحتاج المستورد إلى كمية أكبر من الجنيهات للحصول على القيمة نفسها بالدولار، ترتفع تكلفة السلعة قبل وصولها إلى المستهلك.
وتزداد المشكلة تعقيداً عندما تكون السوق المحلية تعتمد على الواردات لتوفير جزء مهم من احتياجاتها الغذائية أو الصناعية أو التجارية. ففي هذه الحالة تنتقل آثار انخفاض العملة من سوق الصرف إلى مختلف مراحل سلسلة الإمداد، بدءاً من الاستيراد، مروراً بالنقل والتخزين والتوزيع، وصولاً إلى البيع بالتجزئة.
وتشير تقارير اقتصادية حديثة إلى أن سعر الدولار في السوق الموازية شهد تحركات حادة خلال عام 2026. ففي أغسطس، وصل الدولار إلى نحو 6600 جنيه في السوق الموازية، بينما سجلت الأسواق في سبتمبر تحركات أكثر حدة، ما دفع بعض التجار إلى تعليق عمليات البيع مؤقتاً خشية عدم قدرتهم على إعادة تكوين مخزونهم بالأسعار الجديدة.
وهذه التطورات تخلق مشكلة إضافية أمام التجار، إذ يصعب تحديد السعر النهائي للسلعة في سوق يتغير فيه سعر الصرف بسرعة. فإذا باع التاجر مخزونه بسعر اليوم، فقد لا يستطيع شراء الكمية نفسها في اليوم التالي بسبب ارتفاع تكلفة الاستيراد. ولذلك قد يلجأ بعض التجار إلى تقليل المبيعات أو الاحتفاظ بالمخزون إلى حين اتضاح اتجاهات السوق.
التضخم يضغط على القدرة الشرائية
يأتي التضخم ليحوّل أزمة سعر الصرف إلى مشكلة معيشية مباشرة. فارتفاع الأسعار يعني أن الدخل نفسه يشتري كمية أقل من السلع والخدمات. وإذا لم تواكب الأجور والدخول الارتفاع في الأسعار، تتراجع القدرة الشرائية بصورة مستمرة.
وأظهرت بيانات الجهاز المركزي للإحصاء في السودان أن معدل التضخم السنوي بلغ 51.28% في يونيو 2026، مقارنة بـ44.50% في مايو، فيما أفادت بيانات لاحقة بارتفاع سنوي آخر في أغسطس، مع زيادة شهرية بلغت 3.32% في مؤشر أسعار المستهلك.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية أكبر عندما يتعلق الأمر بالأسر ذات الدخول المحدودة، لأن جزءاً كبيراً من إنفاقها يذهب إلى الغذاء والطاقة والنقل. ووفق بيانات التضخم المنشورة في أبريل، كان الغذاء والمشروبات يمثلان نحو 52.89% من إنفاق الأسر، بينما استحوذ السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود على 14.17%، والنقل على 8.34%.
وبالتالي، فإن ارتفاع أسعار الدقيق أو الزيت أو السكر أو الوقود لا يمثل زيادة منفردة في سعر سلعة، بل يؤثر في مساحة واسعة من ميزانية الأسرة. ومع تكرار الزيادات، تصبح العائلة مضطرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها، وتقليص بعض المشتريات أو البحث عن بدائل أقل تكلفة.
الأسواق تحت ضغط مزدوج
تواجه الأسواق السودانية نتيجة لذلك ضغطاً مزدوجاً: ارتفاع تكلفة السلع من جهة، وضعف القدرة الشرائية من جهة أخرى. فالتاجر الذي يواجه ارتفاع تكلفة الاستيراد والنقل والضرائب لا يستطيع دائماً تحمل الزيادة من هامش أرباحه، بينما لا يستطيع المستهلك في المقابل مواصلة الشراء بالوتيرة نفسها عندما ترتفع الأسعار بصورة متكررة.
ويؤدي هذا الوضع إلى إبطاء حركة السوق في بعض القطاعات، وقد يدفع أصحاب الأعمال إلى تقليل المخزون أو تأجيل عمليات الاستيراد. كما يمكن أن يؤدي عدم استقرار الأسعار إلى زيادة حالة عدم اليقين، لأن التجار والمنتجين يجدون صعوبة في وضع ميزانيات دقيقة أو تحديد تكلفة النشاط لفترة طويلة.
وتظهر هذه المشكلة بصورة واضحة في السلع الغذائية. فقد نقلت تقارير عن أسواق الخرطوم في سبتمبر ارتفاعاً سريعاً في أسعار عدد من السلع الأساسية بالتزامن مع تراجع الجنيه، إذ تجاوز سعر جوال السكر زنة 50 كيلوغراماً 420 ألف جنيه، بينما وصل سعر الدقيق إلى نحو 116 ألف جنيه وفق الأسعار التي أوردها التقرير.
وبغض النظر عن اختلاف الأسعار بين منطقة وأخرى، فإن الاتجاه العام يكشف مدى ارتباط أسعار التجزئة بحركة سعر الصرف، خصوصاً عندما تعتمد السلع بصورة مباشرة أو غير مباشرة على مدخلات مستوردة.
أزمة الوقود تزيد تكلفة النقل والإنتاج
يحتل الوقود موقعاً محورياً في هذه المعادلة، لأن أي ارتفاع في تكلفته ينعكس على قطاعات متعددة في وقت واحد. فالنقل يحتاج إلى الوقود، وكذلك جزء من عمليات الإنتاج الزراعي والصناعي والخدمات اللوجستية.
وفي حال واجه المستوردون أو الموردون صعوبات في توفير العملات الأجنبية اللازمة لتمويل مشتريات الوقود، فإن انتظام الإمدادات يمكن أن يصبح أكثر هشاشة، فيما يؤدي ارتفاع تكلفة التمويل والاستيراد إلى زيادة تكلفة الوقود نفسه.
وتنتقل هذه الزيادة بعد ذلك إلى النقل. فالشاحنة التي تنقل الدقيق أو السكر أو الزيت من مناطق الإنتاج أو نقاط الاستيراد إلى الأسواق تحتاج إلى وقود، وكل ارتفاع في تكلفة الرحلة يضاف في النهاية إلى السعر الذي يدفعه المستهلك.
ولا يتوقف الأثر عند النقل التجاري؛ فالوقود يدخل أيضاً في تكلفة تشغيل المعدات والآليات وبعض الأنشطة الإنتاجية، ما يجعل ارتفاعه عاملاً إضافياً في تضخم تكلفة الإنتاج.
الدقيق والزيت والسكر في قلب الأزمة
تعتبر أسعار المواد الغذائية الأساسية من أكثر المؤشرات حساسية بالنسبة للمواطنين، لأنها تعكس بصورة مباشرة حجم الضغط الذي تتحمله الأسرة. ومع ارتفاع تكلفة الاستيراد وانخفاض قيمة العملة، تصبح سلع مثل الدقيق والزيت والسكر أكثر عرضة لتغيرات الأسعار.
ويزداد التأثير عندما تتزامن هذه الزيادات مع ارتفاع تكلفة النقل والطاقة. فحتى إذا لم تتغير تكلفة السلعة في مصدرها الخارجي، يمكن أن يرتفع سعرها محلياً نتيجة زيادة تكلفة شحنها وتخزينها وتوزيعها.
كما أن المنتج المحلي ليس محصناً بالكامل من تأثير انخفاض العملة. فإذا كان يعتمد على آلات أو قطع غيار أو مواد خام مستوردة، فإن ارتفاع سعر الدولار يزيد تكاليفه، وقد يدفعه إلى رفع أسعار المنتج النهائي.
وهكذا يصبح الفرق بين “السلعة المستوردة” و”السلعة المحلية” أقل وضوحاً من حيث التأثر بسوق الصرف، لأن الاقتصاد المحلي نفسه يرتبط بسلاسل توريد خارجية في عدد من القطاعات.
الضرائب والقيود على الاستيراد
تضيف الضرائب والرسوم الجمركية والقيود على بعض الواردات طبقة أخرى من الضغوط على الأسعار. فمن منظور السياسة الاقتصادية، يمكن أن تهدف بعض القيود إلى تقليل الطلب على النقد الأجنبي أو حماية الإنتاج المحلي، إلا أن نتائجها تعتمد على طبيعة السلع التي تشملها ومدى توفر بدائل محلية.
وفي أبريل 2026، اتخذت السلطات السودانية قراراً بحظر استيراد أكثر من 40 سلعة توصف بأنها كمالية أو غير أساسية، في محاولة للحد من الطلب على العملات الأجنبية ودعم الإنتاج المحلي. لكن ممثلين عن المستوردين انتقدوا القرار، معتبرين أنه قد يؤدي إلى نقص بعض السلع وارتفاع أسعارها، بينما أشارت تقارير إلى أن ضعف الصادرات واتساع فاتورة الاستيراد يمثلان من الأسباب الهيكلية للضغط على الجنيه.
وتوضح هذه التطورات صعوبة تحقيق التوازن بين حماية احتياطيات النقد الأجنبي وضمان استمرار تدفق السلع إلى الأسواق. فإذا تم تقييد الواردات بصورة واسعة من دون توفير بدائل محلية كافية، فقد يؤدي ذلك إلى انخفاض المعروض وارتفاع الأسعار. وفي المقابل، فإن استمرار الاستيراد دون موارد كافية من النقد الأجنبي يضع ضغطاً أكبر على سوق الصرف.
لذلك فإن معالجة المشكلة لا ترتبط فقط بتقليل الواردات، وإنما أيضاً بزيادة قدرة الاقتصاد على توفير النقد الأجنبي من مصادر مستدامة، وعلى رأسها الصادرات والإنتاج القابل للتسويق الخارجي.
التأثير الاجتماعي يتجاوز ارتفاع الأسعار
مع استمرار التضخم وانخفاض قيمة العملة، تتحول الأزمة الاقتصادية إلى تحدٍ اجتماعي واسع. فالأسر لا تواجه فقط فاتورة غذاء أكبر، وإنما تواجه أيضاً تكاليف أعلى للنقل والطاقة والخدمات والاحتياجات اليومية.
ويعني تراجع القدرة الشرائية أن الزيادة في الدخل، إذا لم تواكب التضخم، لا تؤدي بالضرورة إلى تحسن حقيقي في مستوى المعيشة. فقد يحصل الموظف أو العامل على دخل اسمي أكبر، لكنه يجد أن الأسعار ارتفعت بدرجة أكبر، فيصبح الدخل الفعلي أقل من السابق.
كما يواجه أصحاب الأعمال مشكلة مختلفة. فارتفاع تكلفة رأس المال والمواد الخام والنقل يجعل استمرار النشاط أكثر صعوبة، بينما يؤدي ضعف الطلب إلى الحد من قدرة الشركات على تمرير كامل الزيادة إلى المستهلك. وقد تكون الأنشطة الصغيرة والمتوسطة أكثر حساسية لهذه التطورات بسبب محدودية السيولة والقدرة على تحمل تقلبات الأسعار.
الحاجة إلى معالجة جذور الاختلال
توضح الصورة العامة أن تراجع قيمة الجنيه والتضخم ليسا مشكلتين منفصلتين، بل جزء من سلسلة مترابطة تبدأ من اختلال موارد النقد الأجنبي وتمتد إلى الاستيراد والإنتاج والنقل والأسواق والاستهلاك.
فضعف الصادرات يقلل تدفقات العملات الأجنبية، بينما يرفع الطلب على الدولار لتمويل الواردات الضغط على سعر الصرف. ويؤدي انخفاض العملة بدوره إلى رفع تكلفة الواردات، فتزداد أسعار السلع، ويأتي التضخم ليضعف القدرة الشرائية. ثم يؤدي ارتفاع الأسعار إلى الضغط على النشاط التجاري، بينما تضيف تكلفة الوقود والنقل والضرائب مزيداً من الأعباء.
وتشير التقديرات الدولية إلى أن استعادة الاستقرار تتطلب معالجة الاختلالات المالية والخارجية، إلى جانب إعادة بناء القدرات الإنتاجية والبنية التحتية وتعزيز المؤسسات وتنويع الاقتصاد. ويرى البنك الأفريقي للتنمية أن ضعف الإنتاجية وتضرر البنية التحتية ومحدودية التنويع الاقتصادي، إلى جانب الاختلالات المالية والخارجية، ما تزال تحديات أساسية أمام التعافي المستدام.
وفي النهاية، فإن استقرار العملة لا يمثل هدفاً نقدياً فقط، بل شرطاً مهماً لاستقرار الأسعار والأسواق. وكلما انخفضت حدة تقلبات سعر الصرف وتحسنت قدرة الاقتصاد على توفير النقد الأجنبي وزيادة الإنتاج والصادرات، أصبح من الممكن تقليل انتقال الصدمات الخارجية إلى أسعار السلع والقدرة الشرائية للمواطنين. أما استمرار الفجوة بين الطلب على العملات الأجنبية والموارد المتاحة منها، فيبقي الاقتصاد أمام خطر تجدد الضغوط على العملة والأسعار، ويجعل كلفة الأزمة أكثر حضوراً في تفاصيل الحياة اليومية.
