الهدنة على 4 طاولات.. ميرتس في كييف بحزمة عسكرية واقتصادية
تشهد الحرب الروسية الأوكرانية فصلًا جديدًا من التصعيد، يتزامن فيه اتساع نطاق الضربات على البنية التحتية مع تحركات دبلوماسية لطرح صيغ متعددة لوقف إطلاق النار، في وقت تبدو فيه المسافة بين المطالب السياسية للطرفين أكبر من قدرة المبادرات الحالية على إنتاج تسوية قابلة للاستمرار.
وفيما تتحرك واشنطن ووسطاء إقليميون لفتح مسارات جديدة للتهدئة، تبرز على الأرض معادلة متصاعدة يمكن اختصارها في “الجسور مقابل المصافي”، بعدما أصبحت البنية التحتية الاقتصادية واللوجستية جزءًا أساسيًا من أدوات الضغط المتبادل بين موسكو وكييف.
ويتزامن ذلك مع زيارة مفاجئة للمستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى كييف، حملت تعهدات عسكرية واقتصادية جديدة، ورسالة سياسية بأن برلين لا تتعامل مع المرحلة الحالية باعتبارها مقدمة لتراجع الدعم الأوروبي لأوكرانيا.
المبادرات تصطدم بالواقع الميداني
ويرى مصدر دبلوماسي أوكراني أن المبادرات المطروحة حاليًا، رغم اختلاف الجهات التي تقف وراءها وتباين أهدافها، لا تزال تصطدم بتعقيدات الميدان وبغياب آلية واضحة تضمن تنفيذ أي اتفاق.
ويقول المصدر إن الفجوة بين مواقف موسكو وكييف لا تزال واسعة، خصوصًا في الملفات المتعلقة بالأراضي والسيادة والضمانات الأمنية، معتبرًا أن أي هدنة لا تترافق مع ترتيبات واضحة وقابلة للإنفاذ قد تتحول إلى مجرد “استراحة محارب” تسمح لكل طرف بإعادة ترتيب قدراته والاستعداد لجولة جديدة من التصعيد.
ويضيف أن تعدد المبادرات لا يعني بالضرورة اقتراب التوصل إلى اتفاق؛ إذ يمكن استخدام مقترحات وقف إطلاق النار كأدوات للتفاوض والضغط السياسي، بينما تظل القرارات الفعلية مرتبطة بما يجري على خطوط القتال وبقدرة كل طرف على تحسين موقعه قبل أي مفاوضات جديدة.
4 مقترحات للهدنة.. الطاقة والبحر الأسود في الواجهة
وتشير أحدث المعطيات إلى أن كييف تلقت أربعة مقترحات منفصلة للتهدئة من الولايات المتحدة والهند وتركيا ومصر، تتباين في نطاقها، لكنها تلتقي حول محاولة وقف بعض أشكال التصعيد بدلًا من الوصول مباشرة إلى تسوية شاملة.
وبحسب وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها، فإن المقترح الهندي هو الأوسع، بينما تركز المبادرتان التركية والمصرية على وقف التصعيد في البحر الأسود، في حين يرتبط المقترح الأمريكي بوقف الهجمات على منشآت الطاقة.
وقال سيبيها إن كييف مستعدة لهدنة متزامنة في قطاعي الطاقة والبحر الأسود، إضافة إلى وقف إطلاق النار على طول الجبهة.
وتكتسب هدنة الطاقة أهمية خاصة بسبب ارتباطها المباشر بالتصعيد المتبادل؛ إذ تقول كييف إنها مستعدة لوقف استهداف المصافي الروسية إذا توقفت الهجمات على شبكة الطاقة الأوكرانية، بينما يتواصل النقاش حول حماية الملاحة والمنشآت المرتبطة بالموانئ في البحر الأسود.
“الجسور مقابل المصافي”.. حرب البنية التحتية
وعلى الأرض، تحولت البنية التحتية إلى إحدى أبرز ساحات الحرب المتبادلة، ففي الوقت الذي كثفت فيه أوكرانيا ضرباتها على قطاع التكرير والطاقة الروسي، صعّدت روسيا استهداف الجسور ومحاور النقل داخل أوكرانيا، خصوصًا في العاصمة كييف، حيث تعرضت عدة جسور فوق نهر دنيبرو لأضرار خلال الأيام الأخيرة.
وأصابت ضربة روسية الجسر الشمالي في كييف في 4 أكتوبر/تشرين الأول؛ ما أدى إلى أضرار في الطريق وإصابة شخصين، فيما قالت موسكو إن الجسر يستخدم لأغراض نقل القوات والشحنات العسكرية، وجاء ذلك بعد هجمات أدت إلى إغلاق جزئي لثلاثة جسور في العاصمة.
وفي المقابل، تواصل كييف استهداف منشآت تكرير النفط الروسية، وقالت السلطات الأوكرانية إن هذه الضربات أثرت في أكثر من نصف قدرات التكرير الروسية، وهي أرقام لم تُتحقق منها جهات مستقلة بشكل كامل، بينما أقرت موسكو بوجود أضرار اقتصادية جراء الهجمات.
ويرى العقيد الأوكراني المتقاعد فيكتور كيفليوك أن تكتيك استهداف المصافي حقق تأثيرًا على القدرات اللوجستية الروسية؛ ما دفع موسكو إلى توسيع نطاق ضرباتها ضد البنية التحتية التي تعتبرها مرتبطة بحركة القوات والإمدادات الأوكرانية.
ويقول كيفليوك إن المعادلة أصبحت شديدة التعقيد؛ لأن كييف تنظر إلى ضرب قطاع الطاقة الروسي باعتباره إحدى أدوات الضغط بعيدة المدى، بينما ترى موسكو في الجسور ومحاور النقل أهدافًا مرتبطة مباشرة بقدرة القوات الأوكرانية على تلقي الإمدادات والتحرك بين مناطق البلاد.
ويضيف أن استمرار هذا النمط من الضربات يجعل الوصول إلى اتفاقات قطاعية أكثر صعوبة؛ لأن أي وقف لاستهداف منشأة من جانب واحد قد يتحول، في حسابات الطرف الآخر، إلى خسارة لأداة ضغط ميدانية مهمة.
الحرب الاقتصادية أصبحت جزءًا من المعركة
وتقول الدكتورة نهال الشافعي، خبيرة الشؤون الاستراتيجية، إن حرب المصافي والجسور تجاوزت كونها مجرد تكتيك عسكري لتصبح جزءًا من صراع أوسع يستهدف قدرة كل طرف على الحفاظ على اقتصاده وشبكة إمداداته خلال الحرب.
وتشير الشافعي إلى أن تضرر الجسور يعقد عمليات نقل البضائع والمعدات وإعادة الإعمار ويرفع التكلفة اليومية على أوكرانيا، بينما تؤدي الضربات على المصافي إلى الضغط على قطاع المحروقات الروسي وتزيد كلفة الحفاظ على تدفق الوقود.
وترى أن استمرار ضرب البنية التحتية يخلق عقبة أمام أي اتفاق محدود لحماية منشآت الطاقة أو خطوط النقل؛ لأن الطرفين يستخدمان هذه المنشآت في الوقت نفسه كأهداف عسكرية وأدوات ضغط اقتصادية.
ميرتس في كييف.. أكثر من مليار يورو ورسالة إلى موسكو
وفي خضم هذا التصعيد، جاءت زيارة المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى كييف في 4 أكتوبر، وسط هجمات روسية على العاصمة، لتضيف بُعدًا جديدًا إلى المشهد.
وأعلنت ألمانيا حزمة دعم جديدة تتجاوز 1.3 مليار يورو، تشمل نحو مليار يورو للمساعدات العسكرية و350 مليون يورو لإصلاح البنية التحتية للطاقة استعدادًا لفصل الشتاء.
وتشمل المساعدات العسكرية أسلحة بعيدة المدى ومسيّرات وتقنيات فضائية، إلى جانب توسيع التعاون في إنتاج مسيّرات اعتراضية لمواجهة المسيّرات الروسية النفاثة.
كما وقعت شركات ألمانية وأوكرانية سلسلة اتفاقات اقتصادية ودفاعية بقيمة مليارات اليوروهات، في مجالات تشمل الدفاع الجوي والرادارات والطاقة وإنتاج الأسلحة والمسيّرات.
وتحدثت الرئاسة الأوكرانية عن اتفاقات ووثائق تتجاوز قيمتها الإجمالية 8.5 مليار يورو.
وبذلك لم تقتصر زيارة ميرتس على إعلان مساعدات عاجلة، بل حملت أيضًا رسالة تتعلق بالاتجاه الأوروبي نحو تعزيز القدرات الأوكرانية على المدى الأطول، خصوصًا في مجالات الإنتاج العسكري والطاقة والدفاع الجوي.
برلين تعيد تعريف دورها في الحرب
وفي هذا السياق، يوضح الباحث في معهد كيل الألماني كارل ماير أن زيارة ميرتس في هذا التوقيت تعكس تحولًا في طريقة تعامل برلين مع المرحلة الحالية من الحرب، من خلال الجمع بين الدعم العسكري المباشر وتعزيز القدرة الصناعية والطاقة في أوكرانيا.
ويرى ماير أن حزمة المساعدات وشراكات التصنيع العسكري تحمل رسالة إلى موسكو بأن ألمانيا لا تتعامل مع الهجمات الروسية على البنية التحتية باعتبارها عاملًا كافيًا لدفع أوروبا إلى التراجع، وإنما باعتبارها سببًا لتعزيز قدرة كييف على الصمود.
ويضيف أن التحرك الألماني يضع برلين في موقع أكثر حضورًا في إدارة الملف الأوكراني داخل أوروبا، خصوصًا مع انتقال الدعم من مجرد توريد الأسلحة إلى بناء قدرات إنتاجية مشتركة تشمل الدفاع الجوي والمسيّرات والأسلحة بعيدة المدى والطاقة.
واشنطن تعيد فتح المسار الدبلوماسي
وفي موازاة الدعم الأوروبي والتصعيد الميداني، يظل المسار الأمريكي حاضرًا في محاولة إعادة إطلاق المفاوضات؛ إذ تحدث الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن جهود أمريكية لترتيب لقاء ثلاثي فني بين واشنطن وكييف وموسكو بحلول نهاية أكتوبر.
وتأتي هذه التحركات في وقت تتناقض فيه صورة الحرب على الأرض مع مسار الدبلوماسية، فبينما تتحدث الأطراف عن هدنة للطاقة والبحر الأسود وإمكانات استئناف الاتصالات، تتواصل ضربات الجسور والمنشآت النفطية والطاقة.
وتكشف هذه المفارقة أن العقبة الرئيسة لم تعد فقط في إيجاد صيغة لوقف إطلاق النار، وإنما في تحديد ما إذا كان الطرفان مستعدين للتخلي عن أدوات الضغط التي يستخدمانها لتحسين موقعيهما قبل أي تسوية.
