سياسة

جدل حول دور الاستخبارات الأمريكية في حرب المخدرات


أعاد انفجار شاحنة صغيرة على طريق سريع شمال العاصمة المكسيكية، في أواخر مارس/آذار الماضي، فتح ملف بالغ الحساسية يتعلق بطبيعة الدور الأمريكي في الحرب على المخدرات داخل المكسيك.

وأسفر الانفجار عن مقتل شخصين يُشتبه في انتمائهما إلى كارتل سينالوا، أحدهما فرانسيسكو بلتران، الملقب بـ«إل باين»، والذي يُعتقد أنه أحد مساعدي زعيم الكارتل المعروف باسم «إل مينيو».

ورغم مرور الحادثة بهدوء نسبي داخل الولايات المتحدة، أثارت تقارير استقصائية نشرتها لاحقًا صحيفة نيويورك تايمز وشبكة سي إن إن احتمالات بأن تكون العملية جزءًا من حملة سرية أوسع تقودها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية داخل الأراضي المكسيكية.

وتأتي هذه المزاعم في لحظة شديدة التوتر بين واشنطن ومكسيكو سيتي، خصوصًا بعد مقتل ضابطين من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في حادث سير أثناء عودتهما من مهمة لمكافحة المخدرات في ولاية تشيهواهوا، إلى جانب توجيه القضاء الأمريكي اتهامات لحاكم ولاية سينالوا روبين روشا مويا تتعلق بالاتجار بالمخدرات.

وفي ظل تصاعد الضغوط السياسية، تبدو إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكثر استعدادًا لاختبار حدود التعاون الأمني التقليدي مع المكسيك، خاصة بعد تصنيف كارتلات مثل «سينالوا» و«خاليسكو للجيل الجديد» باعتبارها «منظمات إرهابية أجنبية»، وهو ما يمنح الأجهزة الأمريكية، نظريًا، غطاءً قانونيًا أوسع لتنفيذ عمليات سرية ضدها.

وقدمت التقارير الإعلامية روايات متباينة حول طبيعة هذه العمليات. فقد ذكرت شبكة «سي إن إن» أن تفجير مارس/آذار كان «عملية اغتيال مستهدفة سهّلها ضباط عمليات في وكالة الاستخبارات المركزية»، مشيرة إلى احتمال اعتماد الوكالة على جماعات شبه عسكرية أو حتى تأجيج الصراعات بين الكارتلات المتنافسة.

وتستند هذه الفرضية إلى تاريخ طويل ومثير للجدل للوكالة في أمريكا اللاتينية، حيث ارتبط اسمها سابقًا بالتعاون مع جهات غير حكومية مسلحة، بما في ذلك عناصر من كارتل غوادالاخارا خلال فضيحة «إيران-كونترا» في ثمانينيات القرن الماضي.

في المقابل، بدت صحيفة «نيويورك تايمز» أكثر تحفظًا، إذ نقلت عن مصادر أمريكية أن الوكالة قدمت معلومات استخباراتية ودعمًا لوجستيًا، لكنها لم تشارك مباشرة في تنفيذ العملية على الأرض، ما يشير إلى أن العملية ربما نُفذت بواسطة السلطات المكسيكية بدعم أمريكي غير معلن.

وقد نفت المتحدثة باسم الوكالة، ليز ليون، ووزير الأمن المكسيكي عمر غارسيا هارفوش، جميع الادعاءات المتعلقة بتنفيذ عمليات اغتيال داخل المكسيك.

ورغم النفي الرسمي، فإن وجود نشاط استخباراتي أمريكي داخل المكسيك لم يعد محل شك كبير.

فالقانون المكسيكي يمنع العملاء الأجانب من العمل داخل البلاد دون موافقة صريحة من الحكومة الفيدرالية، إلا أن الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم ألمحت إلى أن حكومة ولاية تشيهواهوا المعارضة ربما استضافت العملاء الأمريكيين بشكل غير قانوني، في إشارة تعكس حجم التعقيدات السياسية المحيطة بالتعاون الأمني بين البلدين.

ويكتسب الجدل أهمية إضافية بسبب التحول الجاري في استراتيجية مكافحة المخدرات. فمنذ إطلاق «الحرب على المخدرات» عام 2006، اعتمدت الولايات المتحدة والحكومات المكسيكية المتعاقبة ما عُرف بـ«استراتيجية زعماء العصابات»، والتي ركزت على اعتقال أو تصفية قادة الكارتلات باعتبار ذلك معيار النجاح الرئيسي.

ورغم نتائج هذه السياسة في إسقاط شخصيات بارزة مثل «إل تشابو» غوزمان وابنه أوفيديو، فإنها ساهمت أيضًا في تفكيك هياكل الكارتلات إلى جماعات أصغر وأكثر عنفًا، ما أدى إلى تضاعف معدلات جرائم القتل والاختفاء القسري في أنحاء المكسيك.

وفي مواجهة هذا الإرث الدموي، تبنت إدارة شينباوم نهجًا مختلفًا يقوم على استهداف البنية اللوجستية والمالية للكارتلات، وليس فقط قياداتها العليا.

وتشير بيانات حكومية إلى تراجع معدلات جرائم القتل منذ توليها السلطة، بينما تقول مصادر «سي إن إن» إن وكالة الاستخبارات المركزية نفسها بدأت تميل إلى استراتيجية مشابهة تقوم على «تفكيك الشبكات بالكامل» عبر استهداف العناصر التشغيلية الأساسية داخل التنظيمات الإجرامية.

لكن المخاوف تتجاوز الجوانب التكتيكية إلى تداعيات أكثر خطورة. فإذا ثبتت صحة التقارير المتعلقة باستخدام سيارات مفخخة أو أساليب اغتيال مشابهة داخل المدن المكسيكية، فإن ذلك قد ينسف قواعد غير مكتوبة ظلت تحكم العلاقة بين الكارتلات والولايات المتحدة لعقود.

فمنذ مقتل عميل إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية إنريكي كامارينا عام 1985، تجنبت الكارتلات إلى حد كبير استهداف المواطنين أو المسؤولين الأمريكيين بشكل مباشر، إدراكًا منها لحجم الرد الأمريكي المحتمل.

أما اليوم، فإن أي انخراط أمريكي مباشر في عمليات اغتيال داخل المكسيك قد يدفع الكارتلات إلى تغيير هذه الحسابات، وهو ما يثير قلقًا حتى داخل بعض الدوائر الاستخباراتية الأمريكية نفسها، بحسب ما نقلته الصحيفتان عن مصادر مطلعة.

زر الذهاب إلى الأعلى