سياسة

جنوب سوريا.. مخاوف من تغييرات ميدانية تقودها مجموعات إسرائيلية


تسعى جماعات استيطانية إسرائيلية متطرفة، وفي مقدمتها حركة “رواد الباشان”. إلى استغلال التحولات الأمنية والسياسية التي شهدها الجنوب السوري بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية عام 2024، من أجل فرض واقع جديد في المناطق المحاذية للجولان السوري المحتل. مستفيدة من حالة الفراغ الأمني وضعف السيطرة الحكومية على أجزاء واسعة من ريف القنيطرة ودرعا.

وبرزت الحركة خلال الأشهر الماضية عبر تنظيم اقتحامات متكررة للأراضي السورية القريبة من خط وقف إطلاق النار. والمطالبة العلنية بإقامة بؤر استيطانية جديدة فيما تسميه “أرض الباشان”، وهو مصطلح توراتي تستخدمه الأوساط اليمينية الإسرائيلية للإشارة إلى مناطق في جنوب سوريا والجولان.

وأعلن الجيش الإسرائيلي الإثنين، توقيف عشرة مستوطنين ينتمون إلى الحركة بعد اجتيازهم السياج الحدودي باتجاه الأراضي السورية للمطالبة بفرض مشروع استيطاني هناك.

وذكرت صحيفة “جيروزاليم بوست”، أن قوات من الجيش الإسرائيلي تدخلت لإخراج المستوطنين من داخل الأراضي السورية وإعادتهم إلى الجانب الإسرائيلي. قبل تحويلهم إلى الشرطة لاستكمال الإجراءات القانونية بحقهم.

ورغم تدخل الجيش لوقف التسلل، إلا أنه حاول النأي بنفسه عن هذه التحركات. إذ وصف الحادثة بأنها “انتهاك خطير” يعرّض الجنود والمدنيين للخطر، مؤكداً في بيان أنه “يدين بشدة” اقتحام الأراضي السورية.

وأفادت هيئة البث الإسرائيلية “كان” أن ما جرى لم يكن حادثة منفصلة. بل المحاولة الرابعة خلال أقل من 24 ساعة التي يسعى خلالها ناشطون من “رواد الباشان” لعبور الحدود نحو سوريا، في مؤشر إلى تصاعد نشاط الجماعات الداعية إلى إنشاء بؤر ومستوطنات يهودية داخل الأراضي السورية.

‘رواد الباشان’ تحاول خلق وقائع ميدانية تدريجية تشبه إلى حد بعيد النموذج الذي اتبعته الحركات الاستيطانية في الضفة الغربية

وتقوم فكرة الحركة على اعتبار أن التطورات التي أعقبت انهيار سلطة دمشق المركزية وفرت “فرصة تاريخية” لتوسيع النفوذ الإسرائيلي خارج حدود الجولان المحتل. خصوصا في المناطق العازلة وسفوح جبل الشيخ. وتضم “رواد الباشان” مستوطنين وناشطين من التيار القومي الديني المتطرف. بينهم شخصيات مرتبطة بالحركات الاستيطانية في الضفة الغربية، وتسعى إلى تحويل التحركات الميدانية إلى مشروع سياسي طويل الأمد يحظى بدعم داخل دوائر اليمين الإسرائيلي.

ووجّه نشطاء الحركة رسالة إلى وزراء المجلس الوزاري المصغر “الكابينت”. طالبوا فيها بالسماح لهم “بالاستيطان في المنطقة بشكل قانوني”، وفق ما أورده موقع “سروغيم” الإسرائيلي.

ويُعد عاموس عزريا من أبرز المتحدثين باسم الحركة التي حظيت، وفق تقارير إسرائيلية. بدعم من شخصيات داخل الائتلاف الحاكم.

ونشرت الحركة تسجيلاً مصوراً يوثق اقتحام ما لا يقل عن أربعة من ناشطيها منطقة جبل الشيخ الممتدة بين ريف دمشق والقنيطرة جنوب سوريا. وقالت إن هذه التحركات تتزامن مع ما وصفته بـ”أيام حرب الأيام الستة” التي احتلت خلالها إسرائيل الجولان عام 1967. مضيفة أن مجموعتين إضافيتين حاولتا الوصول إلى محيط جبل الشيخ، وقد أوقفت القوات الإسرائيلية إحداهما قبل الإفراج عنها سريعاً. بينما واصلت المجموعة الثانية تسلق الجبل.

وخلال الأشهر الأخيرة، نفذت الحركة عدة عمليات توغل داخل الأراضي السورية. بعضها تم تحت حماية أو مراقبة الجيش الإسرائيلي، بينما اكتفت السلطات الإسرائيلية في حالات أخرى بتوقيف المتسللين لساعات قبل الإفراج عنهم. ما أثار تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين هذه الجماعات والمؤسسة السياسية والأمنية في إسرائيل.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات لا يمكن فصلها عن صعود اليمين القومي والديني داخل إسرائيل، والذي يدفع باتجاه توسيع مفهوم “إسرائيل الكبرى”. ومحاولة استثمار الفوضى الإقليمية لإعادة رسم خرائط النفوذ. كما تستفيد الجماعات الاستيطانية من وجود شخصيات نافذة داخل الحكومة الإسرائيلية الحالية تتبنى خطابا متشددا تجاه سوريا. وتعتبر أن أي انسحاب أو تراجع عن المناطق التي دخلها الجيش الإسرائيلي بعد عام 2024 يشكل “خطرا أمنيا” على إسرائيل.

وتحاول “رواد الباشان” خلق وقائع ميدانية تدريجية تشبه إلى حد بعيد النموذج الذي اتبعته الحركات الاستيطانية في الضفة الغربية، بدءا من إقامة خيام ونقاط تجمع مؤقتة. وصولا إلى المطالبة باعتراف رسمي ببؤر استيطانية جديدة.
وتشير تقارير إعلامية إلى أن الحركة تسعى لإقامة مستوطنات قرب مناطق مثل جبل الشيخ ومحيط القنيطرة، مع التركيز على البعد الديني والتاريخي لتبرير المشروع.

في المقابل، يثير هذا التوجه مخاوف واسعة داخل سوريا من تحول التوغلات الإسرائيلية المؤقتة إلى احتلال طويل الأمد، خاصة مع استمرار الغارات الإسرائيلية والتحركات العسكرية داخل الجنوب السوري. كما يخشى السكان المحليون من أن يؤدي ضعف الدولة والانقسام الداخلي إلى فتح المجال أمام مشاريع تغيير ديمغرافي وسياسي في المنطقة الحدودية.

ويعتقد محللون أن الجماعات الاستيطانية تراهن على عامل الوقت، وعلى استمرار الانشغال السوري بالأزمات الداخلية، من أجل تثبيت وجود دائم جنوب سوريا، مستفيدة من غياب ردع دولي فعّال. ومن حالة السيولة الأمنية التي تعيشها البلاد منذ سنوات الحرب. إلا أن نجاح هذه المشاريع يبقى مرتبطا بمواقف الحكومة الإسرائيلية نفسها، وبمدى قدرتها على تحمل التداعيات السياسية والأمنية لأي خطوة نحو توسيع الاستيطان داخل الأراضي السورية.

وكان عشرات من نشطاء الحركة الاستيطانية قد وصلوا الأحد، إلى السياج الحدودي في بلدة مجدل شمس عند سفوح جبل الشيخ في الجولان السوري المحتل. وربط عدد منهم أنفسهم بالسياج في خطوة احتجاجية للضغط على الحكومة الإسرائيلية.

واتهم المراسل العسكري لهيئة البث الإسرائيلية إيتاي بلومنتال جماعة “رواد الباشان” بتلقي غطاء سياسي من داخل الحكومة الإسرائيلية. وقال عبر منصة “إكس” إن ناشطي الحركة يحظون “بدعم وتشجيع من وزراء وأعضاء في الائتلاف الحاكم”.

وأشار بلومنتال إلى أن الحركة عقدت خلال الفترة الأخيرة لقاءات مع وزراء وأعضاء كنيست. لافتاً إلى أن نائبة رئيس الكنيست ليمور سون هار-ميلخ منحت عدداً من ناشطيها “شهادة تقدير”.

كما نشر صوراً تظهر هار-ميلخ خلال تكريمها ناشطين في الحركة، إلى جانب صورة أخرى تجمع ناشطين منها بوزير الاتصالات الإسرائيلي شلومو كرعي.

ومع تمدد السيطرة الإسرائيلية الى داخل الأراضي السورية أنشأت ما وصفته بـ”حزام أمني” يتجاوز خطوط الفصل التي تشرف عليها قوات الأمم المتحدة. ما أدى إلى إغلاق المنطقة أمام المدنيين السوريين والقوات الحكومية.

وأدى ذلك إلى حرمان المزارعين السوريين من الوصول إلى أراضيهم. وسط مخاوف متزايدة من فقدانها نهائياً مع استمرار التوسع العسكري الإسرائيلي.

وتسيطر إسرائيل اليوم على نحو 177 ميلاً مربعاً إضافياً من الأراضي السورية مقارنة بما كانت تسيطر عليه قبل سقوط الأسد.

زر الذهاب إلى الأعلى