الشرق الأوسط

دمشق تؤكد استمرار سياسة المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل


أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع مرسوما خاصا بالجمارك، يمنع إدخال البضائع الإسرائيلية إلى البلاد في موقف من شأنه اثارة غضب الدولة العبرية التي تشن منذ السنة الماضية حملات عسكرية وتوغلات في الجنوب السوري وكذلك الولايات المتحدة التي تضغط على دمشق للمضي في سياسة التطبيع.
ووفق المرسوم الذي أوردته وكالة الأنباء السورية “سانا”، فقد نصت المادة 112 على أنه يمنع دخول أصناف من البضائع إلى المنطقة الحرة المشتركة مع الأردن، من بينها “البضائع الممنوعة لمخالفتها لأحكام مقاطعة إسرائيل، أو لأحكام النظام العام التي تحدد من السلطات ذات الاختصاص”.
فيما جاء في المادة 206 أن المحكمة الجمركية تحكم بـ”النفاذ المعجل” في عدة حالات، بينها “إذا كانت البضاعة المهربة مخدرات، أو أسلحة حربية، أو ذخائر، أو بضائع إسرائيلية، أو بضائع ممنوعة معينة مهما بلغت قيمتها”.
وتأتي هذه الإجراءات تأكيدا على الموقف الرسمي السوري تجاه “قوانين مقاطعة إسرائيل” الصادرة عن جامعة الدول العربية منذ خمسينات القرن الماضي.
وتحظر القوانين السورية أي شكل من أشكال العلاقات التجارية أو الاقتصادية أو الاستثمارية مع إسرائيل، وتعتبر دخول أي منتج إسرائيلي إلى الأسواق المحلية أو المناطق الحرة جريمة تهريب كبرى تمس الأمن القومي.
ويؤكد المرسوم الجديد تمسك دمشق بالتعامل مع ملف المقاطعة باعتباره جزءا من العقيدة السياسية والأمنية للدولة، وليس مجرد إجراء تنظيمي يتعلق بالتجارة أو حركة الاستيراد. فالقضية بالنسبة إلى السلطات السورية ترتبط مباشرة بمفهوم السيادة والصراع الإقليمي المستمر مع إسرائيل، خاصة في ظل التطورات العسكرية والسياسية التي تشهدها المنطقة.
ويأتي القرار في توقيت إقليمي شديد الحساسية، مع استمرار الحرب في غزة وتصاعد التوتر بين إسرائيل ومحور القوى المتحالفة مع إيران، ما يدفع دمشق إلى إعادة التأكيد على خطابها التقليدي الرافض للتطبيع أو الانفتاح الاقتصادي مع الدولة العبرية، في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات متسارعة في شكل العلاقات العربية الإسرائيلية.
وعلى الرغم من سنوات الحرب الطويلة التي شهدتها سوريا والاستقرار الهش بقيت العلاقة بين دمشق وتل أبيب محكومة بمنطق المواجهة والعداء، حتى مع وجود اتصالات غير مباشرة في بعض الملفات الأمنية أو الإنسانية. كما كثفت إسرائيل خلال السنوات الماضية عملياتها العسكرية داخل الأراضي السورية، مستهدفة مواقع مرتبطة بإيران وفصائل حليفة لها، الأمر الذي زاد من تعقيد المشهد بين الطرفين.
ويعتقد أن السلطات السورية تحاول من خلال هذا المرسوم إعادة تثبيت نهجها السياسي داخليا وخارجيا، خصوصا بعد سنوات من الضغوط الاقتصادية والعقوبات الغربية التي أثرت بشكل كبير على بنية الاقتصاد السوري. كما أن ملف المقاطعة لا يزال يحمل بعدا رمزيا لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العربي، وهو ما يمنح القرار أبعادا تتجاوز الجانب القانوني أو التجاري.
في المقابل، يتزامن إصدار القانون الجمركي الجديد مع مساعي الحكومة السورية لإعادة ضبط حركة التجارة والمعابر والمناطق الحرة، بعد سنوات تحولت خلالها بعض المعابر إلى بؤر للتهريب والتجارة غير النظامية نتيجة الفوضى الأمنية والحرب.
كما تشير التقديرات إلى أن التشدد تجاه البضائع الإسرائيلية يهدف أيضا إلى منع أي عمليات دخول غير مباشرة للمنتجات عبر دول وسيطة أو عبر شبكات التجارة الإقليمية المتشابكة، خاصة مع اتساع حركة الاستيراد وإعادة التصدير في الشرق الأوسط.
ويعتقد بشكل واسع أن دمشق تسعى من خلال هذه الخطوة إلى توجيه رسائل سياسية متعددة، أبرزها أنها لا تزال متمسكة بموقفها التقليدي تجاه إسرائيل رغم التحولات التي شهدتها بعض العواصم العربية خلال السنوات الأخيرة، والتي اتجهت نحو التطبيع أو توسيع العلاقات الاقتصادية مع تل أبيب.
ومع ذلك، يرى خبراء اقتصاديون أن الأثر العملي للقرار سيبقى محدودا نسبيا، نظرا إلى غياب تبادل تجاري مباشر أساسا بين سوريا وإسرائيل، إضافة إلى استمرار العزلة الاقتصادية التي تواجهها دمشق منذ سنوات.
ويعكس المرسوم إصرار الدولة السورية على إبقاء ملف الصراع مع إسرائيل جزءا أساسيا من خطابها الرسمي، وربط أي تعامل اقتصادي مع تل أبيب بمسائل الأمن القومي والسيادة، لا بمنطق المصالح التجارية فقط. في خضم تمسك واضح برفض التطبيع رغم الضغوط الغربية وكذلك التهديدات الميدانية من قبل الدولة العبرية.

زر الذهاب إلى الأعلى