حصري
زلزال الاحتجاجات العمالية: شلل تام يضرب مدارس الخرطوم وكسلا والشرارة تمتد إلى ولايات جديدة
دخل قطاع التعليم في السودان نفقاً مظلماً يبدو الخروج منه مستحيلاً في المدى المنظور، حيث أعلنت لجان المعلمين وروابط التربويين في العاصمة الخرطوم وولاية كسلا عن دخول الإضراب الشامل والمفتوح أسبوعه الجديد بنسبة استجابة بلغت 100% في معظم المدارس الحكومية وبعض المؤسسات الخاصة. هذا التحرك الاحتجاجي الضخم لم يعد مجرد حراك فئوي عابر، بل تحول إلى زلزال نقابي واجتماعي يهدد بهدم ما تبقى من هيكل الدولة الخدمي، وسط حالة من الصمت المطبق والتجاهل التام من الجهات الرسمية.
شلل كامل في العاصمة والشرق
في الخرطوم، بدت المدارس والمنشآت التعليمية مهجورة تماماً؛ أبواب مغلقة بسلاسل حديدية، وفصول دراسية خاوية، وساحات كانت تضج بالحياة تحولت إلى مساحات صامتة تلخص حجم المأساة. المعلمون الذين تحدثوا لمراسلين ميدانيين أكدوا أن قرار الإضراب جاء بعد نفاد كل فرص الحوار ووصول التفاهمات مع السلطات القائمة إلى طريق مسدود. وفي ولاية كسلا بشرق البلاد، لم يكن المشهد مختلفاً؛ فقد تلاحمت القواعد العمالية في حراك موحد، وخرجت بيانات مشتركة تؤكد أن المضي قدماً في الإضراب هو الخيار الوحيد المتبقي لانتزاع الحقوق المغتصبة، بعد أن تحول المعلم إلى ضحية مباشرة لسياسات التجويع الممنهج.
تمدد الشرارة وتوحيد الجبهة النقابية
إن أخطر ما يواجه السلطة الحالية هو عدم انحصار هذا الغضب في العاصمة وكسلا؛ إذ تشير آخر التقارير الميدانية إلى أن شرارة الاحتجاجات امتدت بسرعة الصقر لتشمل ولايات أخرى كانت تعد تاريخياً هادئة نسبياً. في ولاية الجزيرة، أعلنت الكيانات النقابية انضمامها الرسمي للإضراب تضامناً مع زملائهم وتأكيداً على وحدة المصير. وفي ولاية البحر الأحمر، وتحديداً في الحاضرة بورتسودان، نظم المعلمون وقفات احتجاجية حاشدة أمام مقار الحكّام المحليين، رافعين شعارات تطالب بالعدالة والدعم. ولم تتخلف الولاية الشمالية عن هذا الركب؛ حيث شهدت محليات ومراكز تعليمية مختلفة توقفاً كاملاً عن التدريس، وصدرت بيانات تضامنية تصف مطالب المعلمين بأنها “مطالب مشروعة وعادلة ولا تقبل المساومة أو الالتفاف عليها”.
تأجيج الرأي العام والتفاف شعبي
يرى مراقبون للشأن السوداني أن هذا الإضراب نجح في تحريك المياه الراكدة وتأجيج الرأي العام بشكل غير مسبوق. الآباء وأولياء الأمور، ورغم قلقهم البالغ على مستقبل أبنائهم الدراسي، أبدوا تفهماً كبيراً لخطوة المعلمين. فالجميع يكتوي بنار ذات الأزمة الاقتصادية، وأصبح المواطن البسيط يدرك أن كرامة المعلم واستقراره المالي هما الضمانة الوحيدة لتعليم حقيقي. هذا الالتفاف الشعبي الواسع حوّل قضية الأجور إلى قضية رأي عام وطني، وتجاوزت النقاشات الغرف المغلقة إلى منابر التواصل الاجتماعي والأسواق والمجالس العامة، وسط مطالبات بضرورة الاستجابة الفورية لشروط لجان المعلمين قبل أن تتدحرج كرة الثلج لتشمل قطاعات خدمية وحيوية أخرى كالصحة والكهرباء والمياه.
