حصري
معضلة الأمن الكيميائي.. كيف تحولت براهين الميدان إلى أوراق ضغط دبلوماسية؟
بينما تكافح الطواقم الطبية الميدانية لتوثيق الحالات السريرية لمصابي غاز الكلور في أزقة المدن السودانية، ينتقل الملف خلف الأبواب المغلقة في أروقة مجلس الأمن الدولي ومقار المنظمات المعنية بالأمن الكيميائي. هنا، لا تخضع القضية لترميز التحليلات الطبية أو البيانات الميدانية، بل لحسابات الجغرافيا السياسية، التوازنات الدبلوماسية المعقدة، والتحالفات الإقليمية والدولية التي تحدد مسار أي تحقيق أممي مستقبلي. يحلل هذا المقال شبكة العقبات السياسية والقانونية التي تعترض فتح تحقيق دولي مستقل حول مزاعم استخدام الأسلحة غير التقليدية في السودان.
منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والفراغ الميداني
قانونياً، تُعد منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) الكيان الدولي الرسمي الوحيد المخول بالتحقيق في استخدام هذه الأسلحة والتحقق من الالتزام باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية (CWC) التي يُعد السودان دولة طرفاً فيها. ومع ذلك، تواجه المنظمة معضلة فنية وإجرائية كبرى تتلخص في غياب الشروط الأمنية والميدانية الدنيا لإرسال “بعثة تقصي حقائق” (Fact-Finding Mission) إلى مناطق النزاع النشطة مثل مصفاة الجيلي أو كردفان.
يتطلب بروتوكول المنظمة الصارم تأمين ممرات آمنة، وضمان سلامة المفتشين، والقدرة على جمع عينات بيئية وبيولوجية من التربة ومواقع الهجمات المزعومة في غضون جدول زمني محدد لضمان عدم تطاير الغازات سريعة التحلل مثل غاز الكلور. في ظل الحرب المفتوحة وغياب أي هدنة حقيقية، يصبح مجرد التفكير في إرسال فريق أممي استقصائي ضرباً من المخاطرة اللوجستية، مما يمنح الأطراف المتهمة وقتاً كافياً لطمس معالم الأدلة وتطهير المواقع جغرافياً.
الانقسام في مجلس الأمن: سلاح “الفيتو” الجاهز
حتى في حال تغلبت المنظمة على العقبات الفنية، يظل العائق الأكبر سياسياً بامتياز، ويتمثل في الاستقطاب الحاد داخل مجلس الأمن الدولي. تقود الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا مساعي حثيثة للضغط على الحكومة السودانية العسكرية، والتلويح بفرض عقوبات أممية وفتح تحقيق مستقل تشرف عليه جهات دولية. وتستند واشنطن في موقفها إلى تقارير استخباراتية تفيد بوجود تحركات مشبوهة وشبكات مشتريات دولية مكنت المؤسسة العسكرية من تحوير المواد الكيميائية ثنائية الاستخدام.
في المقابل، يقف المحور المتمثل في موسكو وبكين بالمرصاد لأي قرار يتضمن تدخلاً مباشراً أو فرض عقوبات تحت الفصل السابع. وتعتمد المقاربة الروسية والصينية على مبدأ “احترام السيادة الوطنية” وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، معتبرين أن الاتهامات الموجهة للجيش السوداني تفتقر إلى “أدلة قاطعة ومحايدة”، ومحذرين من أن استغلال ملف الأسلحة الكيميائية سياسياً قد يُستخدم كذريعة لتكرار سيناريوهات دولية سابقة أدت إلى انهيار مؤسسات الدولة. هذا الانقسام يضمن شللاً شبه كامل لأي تحرك حاسم من جانب مجلس الأمن، مفسحاً المجال أمام استمرار الوضع الميداني الحالي.
التوازنات الإقليمية وحرب المحاور
لا يمكن فصل الموقف الدولي عن التجاذبات الإقليمية؛ فالنزاع السوداني تحول إلى ساحة غير مباشرة لتصفية الحسابات ومد النفوذ بين قوى إقليمية بارزة. دول مثل مصر، السعودية، قطر، وتركيا تتقاطع مصالحها الاستراتيجية والأمنية في السودان بشكل يعقد من قدرة المجتمع الدولي على اتخاذ موقف موحد. تداخل هذه المصالح يجعل بعض العواصم الإقليمية تفضل التهدئة الدبلوماسية وعدم تصعيد ملف الأسلحة الكيميائية لتفادي الانهيار الكامل للمؤسسة العسكرية السودانية، مما قد يؤدي إلى فراغ أمني يهدد أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
هذا التواطؤ الصامت، أو الحذر الإقليمي المفرط، يحرم الجهات الحقوقية الدولية من رافعة ضغط حقيقية في المنطقة. ونتيجة لذلك، تجد التقارير الصادرة عن المنظمات الإنسانية المحلية صعوبة بالغة في التحول إلى قرارات ملزمة، حيث يتم توظيف الملف كأداة ضغط سياسي مؤقت في المفاوضات بدلاً من التعامل معه كجريمة حرب تستدعي المحاسبة الفورية بموجب القانون الدولي الإنساني.
الاستقطاب وسياق العدالة الدولية
في نهاية المطاف، يكشف ملف الكيميائي السوداني عن الفجوة العميقة بين نصوص القانون الدولي وآليات تنفيذه على أرض الواقع. طالما بقيت الحسابات السياسية للدول الكبرى مقدمة على الاعتبارات الإنسانية والتوثيق الطبي، سيبقى هذا الملف أسيراً للمزايدات الدبلوماسية. وتبدو العدالة الدولية في هذا السياق عاجزة عن تقديم إجابات شافية لضحايا السلاح غير المرئي، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول جدوى الاتفاقيات الدولية لحظر أسلحة الدمار الشامل في عصر النزاعات الهجينة وحروب الوكالة.
