من رفض التأشيرة الأمريكية إلى لقاء العلمين وتأجيل زيارة الرياض.. هل تتآكل أوراق البرهان السياسية؟
بين تعثر التحركات الدبلوماسية في واشنطن، وكواليس اللقاء السري مع مسعد بولس في مصر، وتأجيل الزيارة المرتقبة إلى الرياض، يجد عبد الفتاح البرهان نفسه أمام اختبار سياسي معقد، تتداخل فيه الضغوط الخارجية مع صراع النفوذ داخل معسكر بورتسودان، وسط تساؤلات بشأن الجهة التي تملك القرار الفعلي بشأن مستقبل الحرب في السودان.
تتسع دائرة التحديات التي تواجه قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، في وقت لم تعد فيه المواجهة مع قوات الدعم السريع هي الجبهة الوحيدة التي تحدد مستقبل سلطته. فإلى جانب استمرار الحرب وتفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، تبرز مؤشرات على تعثر تحركاته الدبلوماسية، وتزايد الضغوط الدولية الرامية إلى انتزاع هدنة إنسانية، بالتزامن مع خلافات داخلية بشأن إدارة الحرب وتوزيع السلطة. وفي هذا السياق، ترسم التطورات التي تناولتها حلقتان تحليليتان صورة لمشهد سياسي تتشابك فيه حسابات واشنطن والقاهرة والرياض مع التوازنات داخل معسكر بورتسودان.
رفض التأشيرة الأمريكية.. ضربة دبلوماسية أم رسالة سياسية؟
شكّل رفض الولايات المتحدة منح البرهان تأشيرة دخول للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة إحدى أبرز النقاط التي تناولتها الحلقة الأولى. وبحسب الرواية الواردة في التفريغ، جاء القرار في سياق خلافات بشأن مقترح هدنة إنسانية لمدة 90 يوماً، نُسب طرحه إلى مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي، وسط اتهامات للقيادة العسكرية السودانية بالمماطلة في الاستجابة للمبادرة.
وتتجاوز أهمية هذا التطور مسألة مشاركة قائد الجيش في اجتماعات دولية، بالنظر إلى توقيته وما يحمله من دلالات بشأن مستقبل الاتصالات الأمريكية مع أطراف الحرب. فواشنطن تسعى، وفق المسار الذي عرضته الحلقة، إلى دفع الأطراف نحو وقف القتال وتهيئة الظروف أمام عملية سياسية، في حين تتمسك قيادة الجيش بمواقفها العسكرية والسياسية وسط تعقيدات داخلية قد تحد من قدرتها على تقديم تنازلات.
واستشهدت الحلقة بتقييم للخبير كاميرون هيدسون، الذي اعتبر رفض التأشيرة خطوة استثنائية تحمل رسالة سياسية إلى قيادة بورتسودان. غير أن اعتبار القرار إعلاناً رسمياً عن سحب الاعتراف بمؤسسات الحكم السودانية يحتاج إلى تدقيق في الموقف الأمريكي المعلن، إذ لا يعني رفض تأشيرة مسؤول، في حد ذاته، تغييراً رسمياً في الاعتراف الدبلوماسي.
وفي مواجهة تداعيات القرار، تحدثت الحلقة عن ظهور البرهان في تجمع شبابي بملعب في الخرطوم، حيث قدم موقفاً متحدياً للولايات المتحدة، وفق الرواية الواردة في التفريغ. وقرأت الحلقة هذا الظهور باعتباره محاولة لإظهار عدم الاكتراث بالضغوط الخارجية واستعادة المبادرة أمام الجمهور الداخلي. كما انتقدت انتقال الخطاب من المنابر الدولية إلى التجمعات الشعبية، معتبرة أن التعبئة الجماهيرية لا تكفي وحدها لمعالجة أزمة العلاقات الخارجية أو تقديم إجابات عن مستقبل الحرب.
وتتقاطع هذه الصورة مع ما ورد في الحلقة الثانية بشأن توجه البرهان إلى تجمع في منطقة مروي عقب انكشاف تفاصيل لقائه بمسعد بولس. ووفق القراءة التي قدمتها الحلقة، جاء التحرك في محاولة لطمأنة حلفائه وإظهار استمرار التمسك بالخيار العسكري، في ظل مخاوف من أن تثير الاتصالات الأمريكية تساؤلات داخل المعسكر المساند للجيش بشأن إمكانية التوصل إلى هدنة. ومع ذلك، يبقى الربط بين الظهورين ودوافعهما السياسية تفسيراً طرحته الحلقة، ولا يمكن الجزم به من دون أدلة مباشرة.
حمدوك في واشنطن.. منافسة على تمثيل السودان في الخارج
في مقابل تعثر تحركات البرهان، تناولت الحلقة الأولى استقبال واشنطن وفداً للقوى المدنية الداعية إلى السلام بقيادة عبد الله حمدوك. وبحسب التفريغ، أجرى الوفد لقاءات مع مسؤولين دوليين، وتركزت جهوده على تنسيق العمل بين مجموعات الوساطة، بما يشمل الرباعية والخماسية، وربط وقف الحرب بمسار سياسي يعالج جذور الأزمة السودانية.
ويكشف تزامن هذه التحركات عن تنافس سياسي يتجاوز الاتصالات الدبلوماسية التقليدية، ليطال مسألة الجهة القادرة على التأثير في مستقبل التسوية وتمثيل تطلعات السودانيين في المحافل الدولية. فبينما تسعى القيادة العسكرية إلى الحفاظ على موقعها في معادلة الحكم، تحاول القوى المدنية تقديم مسار بديل يربط إنهاء الحرب بإعادة ترتيب العملية السياسية ومعالجة أسباب الصراع.
لكن وجود وفد مدني في واشنطن لا يعني تلقائياً انتقال الاعتراف الدولي أو حسم التنافس على تمثيل السودان. فالتأثير الفعلي لأي تحرك دبلوماسي يتوقف على قدرته على بناء توافقات قابلة للتنفيذ، وإقناع الأطراف المتحاربة بوقف القتال، وضمان مشاركة القوى المدنية في عملية سياسية لا تتحول إلى مجرد تفاهمات بين مراكز القوة العسكرية.
وتبرز هنا معضلة أساسية: هل تستطيع الضغوط الخارجية دفع الأطراف نحو هدنة إذا لم يكن هناك توافق داخل المعسكرات نفسها بشأن وقف الحرب؟ فالتوصل إلى تفاهمات دولية قد يفتح نافذة للتسوية، لكنه لا يضمن تنفيذها ما لم تتوافر إرادة سياسية وآليات واضحة للالتزام والمراقبة، خصوصاً في ظل تعدد القوى المسلحة وتشابك المصالح داخل السودان.
لقاء العلمين.. ماذا دار خلف الأبواب المغلقة؟
في تطور آخر، كشفت الحلقة الثانية عن لقاء جمع البرهان بمسعد بولس خلال مأدبة غداء استضافها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مدينة العلمين الجديدة. ووفق التفريغ، أعلن بولس عن الاجتماع عبر منشور على منصة التواصل الاجتماعي، بعدما أحيط اللقاء بقدر كبير من السرية.
وتذهب الحلقة إلى أن البرهان كان حريصاً على إبقاء الاجتماع بعيداً عن الأضواء خشية ردود الفعل داخل الأوساط الإسلامية المتحالفة معه، خصوصاً أن النقاش ارتبط بمقترحات وقف الحرب. وإذا صحت هذه القراءة، فإن السرية المحيطة باللقاء تطرح تساؤلات بشأن مدى اتساع هامش المناورة المتاح أمام قائد الجيش، وقدرته على التفاوض مع الأطراف الدولية من دون أن يتحول أي تحرك نحو الهدنة إلى مصدر خلاف داخل معسكره.
والأكثر حساسية في الرواية التي قدمتها الحلقة هو ما نسبته إلى البرهان بشأن محدودية قدرته على التحكم في القرار الداخلي المتعلق بالحرب. فقد أشارت إلى أنه أبدى عدم ممانعة من حيث المبدأ في التوصل إلى اتفاق، لكنه تحدث، وفق التفريغ، عن عدم امتلاكه السيطرة الكافية على القرار في الداخل، في إشارة فسرتها الحلقة باعتبارها دليلاً على نفوذ الحركة الإسلامية وشبكاتها داخل المعسكر الداعم للجيش.
ويحتاج هذا التصريح المنسوب إلى البرهان إلى الرجوع إلى تسجيل موثق أو مصدر مباشر للتأكد من دقته وسياقه. ومع ذلك، فإن المسألة التي يثيرها تظل محورية في فهم الأزمة السودانية: إذا كانت القيادة العسكرية تواجه قيوداً داخلية تحول دون قبول تسوية، فمن هي الأطراف التي تملك القدرة على تعطيل الاتفاق أو فرض استمرار الحرب؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تتجاوز شخص البرهان إلى طبيعة التحالفات التي تشكلت حول الجيش منذ اندلاع القتال. فالمعسكر الداعم له يضم قوى وتشكيلات متعددة، تختلف مصالحها وحساباتها بشأن مستقبل السلطة، وقد لا تتطابق أولوياتها مع متطلبات التوصل إلى تسوية سياسية. ومن ثم، فإن نجاح أي مبادرة دولية يتطلب فهماً واضحاً لمراكز التأثير داخل هذه التحالفات، وليس الاكتفاء بالتفاوض مع القيادة الرسمية وحدها.
الرياض تؤجل الزيارة.. والبحر الأحمر يدخل الحسابات
لم تتوقف التحديات الدبلوماسية عند واشنطن والقاهرة، إذ أشارت الحلقة الأولى إلى أن البرهان طلب زيارة عاجلة إلى السعودية لمناقشة التطورات المرتبطة بالموقف الأمريكي، قبل أن يُطلب منه تأجيل الزيارة إلى موعد لاحق. وتقدم الحلقة هذا التطور باعتباره مؤشراً على تعثر مساعيه للحصول على دعم إقليمي في مرحلة حساسة، إلا أن تحديد أسباب التأجيل يتطلب معرفة الموقف السعودي الرسمي وطبيعة الملفات المطروحة على جدول الاتصالات.
وفي تفسيرها للتحركات السودانية تجاه الرياض، تحدثت الحلقة عن محاولة إحياء ملف ترسيم الحدود البحرية في البحر الأحمر، باعتباره قضية استراتيجية قد تشكل مدخلاً لتوسيع التعاون بين الجانبين. كما ربطت هذه الخطوة باحتمال تقديم تنازلات تتعلق بمثلث حلايب وشلاتين لمصلحة مصر، استناداً إلى ترتيبات سابقة للحدود البحرية بين السعودية ومصر.
لكن هذا الربط يظل استنتاجاً سياسياً يحتاج إلى أدلة مستقلة؛ فبحث الحدود البحرية لا يعني بالضرورة وجود تفاهم بشأن الأراضي المتنازع عليها، كما لا يكفي تأجيل زيارة أو تداول ملف إقليمي للقول إن هناك مقايضة سياسية قائمة. وتزداد أهمية التحقق في هذه المسائل لأنها تتعلق بالسيادة والحدود والمصالح الاستراتيجية لدول المنطقة.
وتناولت الحلقة أيضاً تقارير عن مساعٍ لإشراك كتائب إسلامية تقاتل إلى جانب الجيش السوداني في حماية الحدود الجنوبية للسعودية من تهديدات الحوثيين في اليمن. وطرحت احتمال أن تحقق مثل هذه الخطوة مكاسب سياسية ومالية للقيادة السودانية، لكن التفريغ لا يتضمن ما يكفي لإثبات وجود اتفاق فعلي بشأن إرسال تلك التشكيلات أو تحديد طبيعة مهمتها. ولذلك، ينبغي التعامل مع هذه المعلومات باعتبارها تقارير ومزاعم تحتاج إلى تحقق مستقل، لا باعتبارها ترتيبات عسكرية مؤكدة.
وتكشف هذه الملفات، في مجموعها، عن تشابك متزايد بين مسار الحرب السودانية وحسابات الأمن الإقليمي. فالبحر الأحمر والحدود والتعاون العسكري قضايا تتجاوز العلاقات الثنائية، وترتبط بتوازنات أوسع في المنطقة. لكن تحويلها إلى أوراق تفاوضية لا يضمن بالضرورة تخفيف الضغوط على بورتسودان، خصوصاً إذا استمرت الخلافات الداخلية أو بقيت الجهود الدولية عاجزة عن إحداث تقدم ملموس نحو وقف القتال.
أزمة الدبلوماسية تعكس صراعاً أعمق على القرار
إن جمع التطورات التي تناولتها الحلقتان يكشف أن مأزق البرهان لا يتعلق فقط بتعثر زيارة أو رفض تأشيرة، بل يتصل بتداخل ثلاثة مستويات من الصراع: الضغط الخارجي لوقف الحرب، والتنافس على تمثيل السودان سياسياً، والخلافات داخل المعسكر الذي يقود العمليات العسكرية.
فرفض التأشيرة الأمريكية أعاد طرح أسئلة بشأن علاقة البرهان بواشنطن، وتحركات القوى المدنية في العاصمة الأمريكية فتحت نقاشاً حول مستقبل العملية السياسية، بينما أثار لقاء العلمين تساؤلات بشأن هامش القرار المتاح أمام قائد الجيش. وفي المقابل، أظهر الحديث عن تأجيل زيارة الرياض وملفات البحر الأحمر واليمن أن التحركات الإقليمية بدورها لا تنفصل عن حسابات الحرب وموازين القوى.
وتزداد هذه المعضلة تعقيداً عندما تقترن الخلافات الدبلوماسية بتوترات داخلية بشأن توزيع المناصب وتشكيل التشكيلات المسلحة الجديدة. فالحفاظ على التحالفات الداخلية قد يفرض قيوداً على أي تنازل تفاوضي، بينما يؤدي استمرار الحرب إلى تعميق الأزمة الاقتصادية والإنسانية، ما يزيد الحاجة إلى تسوية عاجلة.
في النهاية، لا يمكن قياس موقع البرهان السياسي بعدد الزيارات المؤجلة أو اللقاءات المغلقة وحدها، بل بمدى قدرته على تحويل الاتصالات الخارجية إلى خطوات عملية لوقف الحرب، وضمان تنفيذ الاتفاقات، وفتح الطريق أمام عملية سياسية أوسع. أما إذا ظلت المبادرات الدولية تصطدم بتعقيدات الداخل، واستمرت التحركات الخارجية من دون نتائج ملموسة، فإن السودان سيبقى عالقاً بين ضغوط الدبلوماسية ومصالح القوى المتنافسة، بينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر لاستمرار الصراع.
