حصري

من واشنطن إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.. ضغوط دولية متصاعدة على قيادة بورتسودان


تواجه قيادة الجيش السوداني ضغوطاً سياسية وقانونية متزايدة على خلفية اتهامات استخدام أسلحة كيميائية خلال الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، بعدما أعادت تقارير صحفية أميركية نشر تفاصيل منسوبة إلى ملف استخباراتي يتحدث عن برنامج لتطوير ذخائر تعتمد على غاز الكلور.

ويأتي هذا التطور في سياق توتر قائم بين السلطات السودانية وواشنطن بشأن الاتهامات، بعدما أعلنت الولايات المتحدة في عام 2025 تحديداً يفيد باستخدام السودان أسلحة كيميائية خلال العام السابق، وأعقبت ذلك إجراءات عقابية شملت البلاد وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان.

ملف يعود إلى الواجهة في واشنطن

أعاد نشر تقارير «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» في سبتمبر 2026 القضية إلى دائرة الاهتمام السياسي والإعلامي الأميركي، بعدما عرضت الصحيفتان مواد قالتا إنها تتضمن صوراً ومقاطع فيديو ووثائق ومراسلات مرتبطة بالبرنامج المزعوم.

وتحدث السيناتور الأميركي كريس فان هولين، وفق ما ورد في المادة المرتبطة بالملف، عن ضرورة إجراء تحقيق دولي مستقل ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن تطوير الأسلحة الكيميائية أو استخدامها.

وتعكس هذه المطالب اتجاهاً نحو نقل القضية من مستوى التصريحات المتبادلة إلى المطالبة بفحص الأدلة وتحديد المسؤوليات، غير أن أي اتهام جنائي يظل بحاجة إلى إثبات مستقل يراعي الضمانات القانونية.

منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في قلب المشهد

يمثل دور منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أحد المحاور الرئيسية في التطورات المرتبطة بالقضية، بالنظر إلى مسؤوليتها عن تنفيذ الاتفاقية الدولية التي تحظر تطوير الأسلحة الكيميائية وإنتاجها وتخزينها واستخدامها.

وبحسب المعلومات الواردة في المقال الأصلي، أكدت متحدثة باسم المنظمة أن دولاً عدة طلبت رسمياً إيضاحات من السودان بشأن مزاعم الاستخدام، وأن المسار المتعلق بهذه المطالبات لا يزال جارياً.

وتكمن أهمية هذا المسار في إمكانية الانتقال إلى مراجعة فنية للأدلة، بدلاً من الاعتماد على الروايات السياسية أو التسريبات الصحفية وحدها.

لكن فاعلية أي مسار للتحقق ستظل مرتبطة بطبيعة الإجراءات المتاحة، ومدى تعاون السلطات السودانية، وإمكانية الوصول إلى المواقع والوثائق والشهود المرتبطين بالاتهامات.

العقوبات ليست حكماً جنائياً

على الرغم من أن الإجراءات الأميركية المعلنة في عام 2025 رفعت مستوى الضغط على السلطات السودانية، فإن العقوبات السياسية أو الاقتصادية لا تعادل حكماً قضائياً يثبت المسؤولية الجنائية عن استخدام أسلحة كيميائية.

ويتطلب إثبات الجرائم الدولية تحديد الأفعال التي وقعت، والأشخاص الذين شاركوا فيها أو يتحملون مسؤولية عنها، والأدلة التي تثبت عناصر الجريمة وفق القانون الواجب التطبيق.

أما بشأن المحكمة الجنائية الدولية، فلا يملك القضاء الدولي اختصاصاً تلقائياً على جميع الجرائم المرتكبة في السودان لمجرد خطورتها. ويتعين تحديد أساس الاختصاص القانوني في كل حالة، بما في ذلك أي إحالة من مجلس الأمن أو أي أساس آخر يسمح بممارسة الاختصاص.

وهذا يعني أن المسار القانوني المحتمل أكثر تعقيداً من مجرد فرض عقوبات أو إصدار بيانات سياسية.

النفي السوداني وتحدي استعادة الثقة

في المقابل، رفض رئيس الوزراء كامل إدريس الاتهامات، واصفاً إياها بأنها ادعاءات كاذبة، كما سبق للجنة وطنية أن أعلنت عدم العثور على أدلة تثبت وجود أسلحة كيميائية في تقريرها المرحلي.

غير أن استمرار تداول معلومات جديدة، إلى جانب المطالبات الدولية بالتحقيق، يضع السلطات أمام تحدي تقديم إجابات تفصيلية بشأن طبيعة الأدلة التي فُحصت، ونطاق التحقيق الوطني، وإمكانية التعاون مع الجهات الفنية الدولية.

ولا تقتصر تداعيات الملف على الجانب القانوني؛ إذ قد يؤثر استمرار الشكوك في العلاقات الخارجية للسودان، وفي مستوى الثقة بالتزاماته الدولية، وفي طبيعة النقاشات المتعلقة بالعقوبات والمساءلة.

اختبار مفتوح لقيادة بورتسودان

تجد قيادة الجيش السوداني نفسها أمام مسارين متباينين: الاستمرار في نفي الاتهامات والتمسك بنتائج التحقيق الوطني، أو دعم آلية تحقق مستقلة تتيح فحص الأدلة وتحديد ما إذا كانت المخالفات قد وقعت بالفعل.

ولا يضمن المسار الثاني نتيجة بعينها، لكنه قد يوفر أساساً أكثر قوة لحسم القضية، سواء عبر استبعاد الاتهامات أو إثباتها وتحديد المسؤولين عنها.

ومع استمرار الضغوط الأميركية والمطالبات المرتبطة بمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، يبقى مستقبل الملف مرتبطاً بما ستكشفه الأدلة، وبمدى استعداد الأطراف المعنية للخضوع لتحقيق موثوق بعيداً عن الحسابات السياسية.

زر الذهاب إلى الأعلى