سياسة

تقارير عن تنافس غير مباشر بين كييف وموسكو على الساحة الليبية


كشف تحقيق استقصائي لإذاعة فرنسا الدولية، عن حرب خفية تدور رحاها بين كييف وموسكو في ليبيا، ظهرت جلية منذ حوالي شهر عندما اتهمت موسكو أوكرانيا والمخابرات البريطانية بمهاجمة ناقلة الغاز الطبيعي المسال الروسية “أركتيك ميتاغاز” قبالة السواحل الليبية.

وتُعدّ السفينة جزءًا من “الأسطول الشبح” الروسي المُصمّم للالتفاف على العقوبات. وكانت الناقلة المحملة بالغاز الطبيعي المسال تبحر في البحر الأبيض المتوسط ​​متجهةً إلى بورسعيد بمصر.

وكشف التحقيق أن الجيش الأوكراني كان بالفعل وراء هذا الهجوم وأن له وجوداً فعالاً في ليبيا، وتحديداً في غرب البلاد.

ويُنظر إلى التواجد الأوكراني باعتباره جزءًا من صراع أوسع مع روسيا، يمتد إلى الأراضي الليبية بشكل غير معلن، ما يثير تساؤلات خطيرة حول السيادة الوطنية.

وبحسب مصدرين ليبيين مطلعين، تحدثا شريطة عدم الكشف عن هويتهما، ينتشر أكثر من 200 ضابط وخبير عسكري أوكراني في ليبيا، بالتنسيق مع حكومة طرابلس برئاسة عبدالحميد الدبيبة. ويتواجد هؤلاء العسكريون الأوكرانيون في ثلاثة مواقع.

وأفادت المصادر أن مقرهم المبدئي هو أكاديمية القوات الجوية في مصراتة. ويضم هذا المرفق الضخم قوات تركية وإيطالية وقوات القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم). كما يوجد فيه مركز استخباراتي بريطاني.

ويمتلك الأوكرانيون قاعدة ثانية مجهزة بالكامل لإطلاق الطائرات المسيرة الجوية والبحرية في مدينة الزاوية، على بعد حوالي 50 كيلومتراً شمال العاصمة، بالقرب من مجمع مليتة النفطي، وهو أحد أكبر المجمعات النفطية العاملة في ليبيا.

ويحتل الخبراء الأوكرانيون أرضاً منحتها لهم حكومة طرابلس، وتطل مباشرة على البحر. وقد نُفذت أعمالا هناك في أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني الماضيين لتحصين الموقع وتجهيزه بالمدارج والهوائيات اللازمة.

ويُستخدم موقع ثالث، لعقد اجتماعات التنسيق بين القوات الأوكرانية والجيش الليبي. ويقع هذا الموقع في مقر اللواء 111 التابع للجيش، على الطريق المؤدي إلى مطار طرابلس. ويمثل الجيش الليبي الغربي عبد السلام الزعبي، وكيل وزارة الدفاع (الذي كان منصبه شاغراً في حكومة دبيبة لفترة من الزمن).

ويأتي ذلك بعد أن وقّعت طرابلس في أكتوبر/تشرين الثاني الماضي اتفاقية مع مستشار عسكري أوكراني لإنشاء وجود عسكري في ليبيا، بناءً على طلب رسمي من الملحق العسكري الأوكراني في الجزائر، الجنرال أندريه بايوك. وفي المقابل، تتلقى طرابلس تدريباً للعسكريين الليبيين، لا سيما في استخدام الطائرات المسيّرة. وتنص الاتفاقية طويلة الأمد على بيع الأسلحة واستثمارات أوكرانية في قطاع النفط الليبي.

غير أن هذه الترتيبات، تفتح الباب أمام مخاطر جسيمة، إذ تجعل من ليبيا ساحة مواجهة غير مباشرة بين قوى دولية متصارعة، وهو ما قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار الهش أصلًا في البلاد، ويزيد من تعقيد المشهد السياسي والأمني.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، اتهمت موسكو الدبيبة، في بيانات رسمية سربتها الصحافة الليبية، بدعم “جماعات أوكرانية وتزويدها بمرافق لوجستية بدعم مباشر من المخابرات البريطانية”.

وقام الخبراء العسكريون بفحص البيانات الميدانية المتعلقة بالسفينة”أركتيك ميتاغاز”، وأشارت جميع الدلائل إلى أنها تعرضت لهجوم من طائرة مسيرة تابعة للبحرية من طراز “ماغورا V5″، وهي من صنع أوكرانيا وتُستخدم بالفعل في البحر الأسود.
وانطلقت الطائرة من قاعدة “مليتا”، حيث يتمركز أفراد عسكريون أوكرانيون، وضربت في المقام الأول غرفة المحرك، التي امتلأت بالماء بسرعة، ما أدى إلى تعطيل السفينة.

ونشرت إذاعة فرنسا الدولية الجزء الثاني من التقرير الذي يتعلق بالوجود العسكري الأوكراني في ليبيا، وذكرت فيه أن القوات الأوكرانية شنت هجوماً على سفينتين روسيتين تابعتين للأسطول الخفي. وكان مسؤول روسي رفيع المستوى على متن إحدى ناقلات النفط الروسية، وقد أفادت التقارير بمقتله.

وأضافت بحسب مصادر ليبية، أنه كان نحو عشرة مسؤولين رفيعي المستوى في المخابرات الروسية، متنكرين بزي بحارة، على متن ناقلة النفط، وعلق أحد المصادر قائلاً ” إنها أفضل طريقة لتنقل عميل مخابرات روسي “.

وأسفرت الغارة عن مقتل شخصين وإصابة سبعة آخرين. وكان من بين القتلى الجنرال أندريه أفريانوف، وهو مسؤول استخباراتي روسي رفيع المستوى.

ووعدت موسكو بردٍّ قويٍّ على هذه العملية. وبعد أقل من أسبوع، في 23 ديسمبر/كانون الأول، قُتل اللواء محمد الحداد، رئيس أركان الجيش في غرب ليبيا وأعلى مسؤول عسكري في طرابلس، في تركيا. وتحطمت طائرته، المستأجرة من شركة خاصة مقرها مالطا، إثر انفجار على متنها، بعد دقائق من إقلاعها من أنقرة. وكان يرافقه مستشاره محمد دياب، رئيس أركان القوات البرية، والفريق الركن الفيتوري غريبل، مدير إدارة الصناعات العسكرية، والعميد الركن محمود القطاوي. وبذلك بلغ عدد القتلى سبعة أشخاص من قياديي الجيش في غرب ليبيا.

وتؤكد مصادر الإذاعة الفرنسية أن هذا رد روسي على هجوم الطائرة المسيرة. ولم يصدر أي بيان رسمي منذ تحليل الصندوقين الأسودين. ولم يُعلن المدعي العام الليبي نتائج التحقيق الذي بدأ عقب الحادث. وبينما اتهم البعض في ليبيا تركيا، يعتقد العديد من المحللين والشخصيات السياسية الأخرى أنه عمل “انتقامي روسي”.

وتساءل رئيس حزب الائتلاف الليبي عزالدين عقيل، على صفحته على فيسبوك “إذا كان ثمن الضربة الأولى على السفينة الروسية في البحر الأبيض المتوسط ​​قد أسقط الجنرال الحداد، فما هو ثمن هذا الحادث الجديد؟

ووقعت حادثة أخرى في 19 مارس/آذار تثير تساؤلات في طرابلس، فقد أعلنت المؤسسة الوطنية الليبية للنفط والغاز عن تعليق جزئي للإنتاج في حقل الشرارة النفطي، أحد أكبر الحقول في ليبيا، بسبب حريق كبير أثر على خط أنابيب ينقل النفط إلى مصفاة الزاوية.

وبعد أسبوع، كشفت وزارة الداخلية الليبية في طرابلس عن نتائج تحقيق أجرته عقب هذا “العمل التخريبي”. وقد عُثر على ذخائر روسية في الموقع. ووفقًا لبيان وصور نُشرت على صفحة الوزارة على فيسبوك، أسفر التحقيق عن استعادة قذيفة روسية الصنع من طراز M-62 غير منفجرة تزن حوالي 250 كيلوغرامًا، بالإضافة إلى شظايا صاروخ منفجر عيار 130 ملم. وكانت هذه الذخائر قد وُضعت في مسار خط أنابيب النفط. وأكدت الوزارة الليبية روايتها للوقائع ولم توجه أي اتهامات لأي جهة محلية أو أجنبية.

ورغم خطورة هذه المعطيات، التزمت حكومة الدبيبة الصمت، ولم تقدم أي توضيحات رسمية، عندما استدعاها البرلمان لمساءلتها، دون نتائج واضحة حتى الآن، ما يعزز الشكوك حول طبيعة هذه التحركات ومدى قانونيتها.

ويحذر متابعون من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى تدويل الصراع داخل ليبيا بشكل غير مسبوق، ويقوّض أي جهود لتحقيق الاستقرار، في ظل غياب الشفافية والمساءلة، وفتح المجال أمام تدخلات أجنبية متزايدة.

زر الذهاب إلى الأعلى