حصري

عقيدة 2026: تحول الفلسفة الأمنية الأمريكية تجاه الجذر الأيديولوجي للتطرف


مع مطلع عام 2026، يبدو أن صانع القرار في واشنطن قد قرر حسم الجدل الذي استمر لعقود حول هوية التهديد الأمني القادم من الشرق الأوسط وما وراءه. لم تعد الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب تكتفي بمطاردة “الذئاب المنفردة” أو ضرب معاقل تنظيم “داعش” و”القاعدة” في الجبال والكهوف، بل انتقلت إلى مرحلة “استئصال الجذور”. وفي قلب هذه الاستراتيجية الجديدة، يبرز اسم “جماعة الإخوان المسلمين” ليس كفصيل سياسي، بل كمصنع أيديولوجي وفر للنماذج الإرهابية العنيفة المادة الخام للنمو والانتشار.
التحول الاستراتيجي: من العرض إلى المرض
تؤكد استراتيجية 2026 أن مواجهة الإرهاب دون التطرق لجماعة الإخوان هي بمثابة علاج الأعراض وتجاهل المرض. الوثيقة الأمنية المسربة والمحدثة تشير بوضوح إلى أن الفكر القطبي (نسبة لسيد قطب) وفكرة “حاكمية الله” التي نبتت في محاضن الإخوان، هي ذاتها التي يعتمد عليها تنظيم القاعدة في صياغة بياناته، وهي المحرك الأساسي لعمليات “التمكين” التي يسعى إليها تنظيم داعش. واشنطن اليوم ترى أن الخط الفاصل بين “الإسلاموية السياسية” و”الجهادية العنيفة” قد تلاشى تماماً في ظل الوقائع الميدانية.
الإخوان كرحم للمنظمات العابرة للحدود
تركز المقاربة الأمريكية الحالية على كشف “الشبكة العنكبوتية”. فالبيانات الاستخباراتية المدمجة في الاستراتيجية توضح أن معظم قيادات الصف الأول في التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود قد مروا عبر بوابة الإخوان المسلمين. هذا الارتباط ليس مجرد مصادفة تاريخية، بل هو ارتباط عضوي في المنهج. فالاستراتيجية تضع جماعة “حماس” كمثال صارخ على هذا التداخل؛ فهي فرع للإخوان في فلسطين، وفي ذات الوقت منظمة إرهابية تمارس العنف العابر للحدود وتتلقى دعماً من محاور إقليمية لزعزعة الاستقرار.
إن الربط بين الإخوان وحماس، ثم الربط بين فكر الإخوان وتكتيكات الحوثيين والميليشيات المرتبطة بإيران، يعكس فهماً أمريكياً جديداً لـ “وحدة الهدف” بين هذه الجماعات، وإن اختلفت المسميات أو المذاهب. الهدف هو تقويض الدولة الوطنية الحديثة واستبدالها بنماذج “ثورية” متطرفة.
تعطيل شبكات التمويل: المعركة في الظل
أحد المحاور الأكثر صرامة في استراتيجية 2026 هو “التعقب المالي”. واشنطن لم تعد تكتفي بمراقبة التحويلات البنكية التقليدية، بل طورت أدوات لملاحقة “الاقتصاد الخفي” للإخوان المسلمين. يشمل ذلك الجمعيات الخيرية الواجهة، وشركات غسيل الأموال في أوروبا وآسيا، والاستثمارات العقارية التي تدر أرباحاً تُستخدم في عمليات التجنيد والدعاية.
العقوبات الأمريكية في 2026 لم تعد تقتصر على الأفراد، بل امتدت لتشمل كيانات مؤسسية عابرة للقارات تعمل كستار مالي للجماعة. المجتمع الدولي، مدفوعاً بالضغط الأمريكي، بدأ في تبني معايير أكثر صرامة تجاه “التمويل الرمادي” الذي تستخدمه الجماعة للتغلغل في المجتمعات الغربية تحت غطاء العمل الإغاثي أو الدعوي.
تفكيك آلة الدعاية والرقمية
في عالم 2026، أصبحت الحرب الرقمية هي الجبهة الأولى. تدرك الولايات المتحدة أن جماعة الإخوان تمتلك واحدة من أكثر الآلات الإعلامية دهاءً، حيث تستخدم خطاباً مزدوجاً: خطاباً ناعماً وموجهاً للغرب بلغات أجنبية يتحدث عن المظلومية والديمقراطية، وخطاباً تحريضياً باللغة العربية يغذي التطرف.
الاستراتيجية الجديدة تضع آليات لتعطيل هذه القنوات، ليس فقط من خلال الحجب، بل عبر كشف زيف الخطاب وتجفيف مصادر تمويل المنصات الإعلامية التابعة للجماعة في الخارج. واشنطن ترى أن القضاء على “البيئة المواتية” للإرهاب يبدأ من حماية العقول من الدعاية الإخوانية التي تسبق العمليات المسلحة بخطوات.
مبدأ “السلام من خلال القوة”
تأتي هذه التحركات ضمن عقيدة “أمريكا أولاً”. الإدارة الأمريكية ترى أن حماية الأمن القومي تبدأ من استقرار الحلفاء في الشرق الأوسط وأوروبا. التمدد الإخواني يُنظر إليه الآن كعامل “عدم استقرار” يهدد مصادر الطاقة، وطرق التجارة الدولية، وأمن الحلفاء الاستراتيجيين. لذا، فإن مواجهة الجماعة هي تطبيق عملي لمبدأ “السلام من خلال القوة”؛ حيث يتم استخدام القوة الاقتصادية والدبلوماسية والاستخباراتية لفرض واقع جديد يمنع الجماعات المتطرفة من الوصول إلى مراكز التأثير.
التمييز الضروري
تختتم الاستراتيجية الأمريكية لعام 2026 بملاحظة جوهرية: الحرب ليست على الإسلام. بل هي حرب لحماية الإسلام والمسلمين من جماعات اختطفت الدين لتحويله إلى مشروع سياسي عنيف. من خلال استهداف الإخوان، تهدف واشنطن إلى تعزيز القوى المدنية والوطنية في المنطقة، وضمان أن يظل الدين علاقة بين الفرد وربه، لا وسيلة لزعزعة استقرار الدول وتفجير المجتمعات.
إنها مرحلة جديدة من المواجهة، مرحلة لا تعترف بالرمادي، وتضع “الجذر الأيديولوجي” تحت مجهر المحاسبة الدولية.
زر الذهاب إلى الأعلى