الإخوان في واشنطن: لماذا تحوّل ملف الجماعة إلى معركة أمن قومي داخل أمريكا؟
لم يعد الجدل الدائر داخل الولايات المتحدة حول جماعة الإخوان المسلمين مجرد نقاش سياسي عابر أو مادة تستخدمها الحملات الانتخابية بين الجمهوريين والديمقراطيين، بل أصبح جزءًا من إعادة صياغة المفهوم الأمريكي لمكافحة الإرهاب في عالم تتداخل فيه الأيديولوجيا مع الأمن والمال والإعلام والتأثير العابر للحدود. فبعد أكثر من عقدين على هجمات الحادي عشر من سبتمبر، بدأت واشنطن تدرك أن التنظيمات المسلحة لا تعمل بمعزل عن بيئات فكرية وسياسية قادرة على إنتاج موجات متجددة من التطرف، وهو ما دفع قطاعات واسعة داخل المؤسسات الأمريكية إلى إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين الإسلام السياسي والحركات الجهادية المعاصرة.
هذا التحول لم يأتِ بصورة مفاجئة، بل تشكل تدريجيًا عبر سنوات من الحروب والصراعات الممتدة من أفغانستان إلى العراق وسوريا وغزة، حيث لاحظت المؤسسات الأمنية الأمريكية أن القضاء على تنظيمات مثل القاعدة أو داعش لم يؤدِ إلى إنهاء البيئة التي تنتج التطرف. فكلما انهار تنظيم ظهر آخر يحمل خطابًا مشابهًا وأدوات مختلفة، ما عزز داخل واشنطن قناعة متزايدة بأن المعركة لم تعد عسكرية فقط، بل معركة طويلة مع شبكات أيديولوجية وتنظيمية تمتلك قدرة هائلة على إعادة إنتاج نفسها.
في قلب هذا النقاش عاد اسم جماعة الإخوان المسلمين إلى الواجهة باعتبارها التنظيم الأكثر تأثيرًا في تاريخ الحركات الإسلامية الحديثة. فالجماعة التي تأسست قبل ما يقرب من قرن لم تعد تُقرأ داخل بعض الدوائر الأمريكية كحركة سياسية أو دعوية فقط، بل كجزء من منظومة أوسع ساهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تشكيل البيئة الفكرية التي استفادت منها التنظيمات الجهادية لاحقًا. ورغم أن الجماعة تنفي دائمًا أي علاقة لها بالعنف أو التنظيمات المسلحة، فإن تيارات نافذة داخل واشنطن ترى أن المشكلة لا تتعلق فقط بالممارسة الميدانية، بل بالبنية الفكرية التي تسمح بتبرير الصدام مع الدولة الوطنية وخلق خطاب تعبوي يقوم على الانقسام العقائدي والسياسي.
خلال السنوات الماضية تحولت هذه الرؤية إلى محور أساسي داخل الكونغرس الأمريكي، حيث تصاعدت الدعوات المطالبة بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية أجنبية. وقد قاد هذا التوجه عدد من النواب الجمهوريين الذين اعتبروا أن الجماعة تمثل الحاضنة الفكرية التي خرجت منها الحركات الجهادية الحديثة، وأن تجاهل هذا البعد الأيديولوجي أدى إلى فشل كثير من السياسات الغربية في احتواء التطرف.
لكن الملف لم يكن بهذه البساطة داخل مؤسسات الدولة الأمريكية. فهناك تيار آخر داخل واشنطن يرى أن التصنيف الشامل للجماعة قد يكون خطوة معقدة سياسيًا وقانونيًا، خاصة أن الإخوان ليسوا تنظيمًا موحدًا بالشكل التقليدي، بل شبكة واسعة من الفروع والحركات المتباينة من دولة إلى أخرى. بعض هذه الفروع شارك في الانتخابات والحياة السياسية، وبعضها الآخر ارتبط بصراعات أمنية أو اتُّهم بعلاقات مع جماعات متشددة، وهو ما جعل الإدارات الأمريكية المتعاقبة تتعامل بحذر شديد مع هذا الملف.
هذا التردد الأمريكي لا يرتبط فقط بالتعقيدات القانونية، بل أيضًا بحسابات جيوسياسية أوسع. فالولايات المتحدة تدرك أن بعض الحركات المرتبطة بالإخوان كانت جزءًا من المشهد السياسي في دول حليفة لواشنطن، وأن أي تصنيف شامل قد يخلق أزمات دبلوماسية مع شركاء إقليميين أو يفتح أبوابًا واسعة للطعن القانوني داخل المحاكم الأمريكية. ولهذا فضلت المؤسسات الأمريكية في كثير من الأحيان التعامل مع كيانات محددة بدلًا من الذهاب نحو تصنيف عالمي كامل للجماعة.
غير أن التطورات الإقليمية الأخيرة، خصوصًا بعد الحرب في غزة، أعادت الملف بقوة إلى الطاولة الأمريكية. فالعلاقة التاريخية بين حماس وجماعة الإخوان المسلمين دفعت قطاعات واسعة داخل واشنطن إلى توسيع النقاش حول طبيعة الشبكات العابرة للحدود المرتبطة بالإسلام السياسي. وأصبحت هناك قناعة متنامية داخل بعض الدوائر الأمنية بأن الحركات المسلحة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية الأيديولوجية والإعلامية والمالية التي تدعمها أو تمنحها الشرعية السياسية.
هذا التحول انعكس بوضوح في طبيعة الأدوات التي بدأت الولايات المتحدة تستخدمها في المواجهة. فبدل التركيز فقط على العمليات العسكرية أو الملاحقات الأمنية، اتجهت واشنطن بصورة متزايدة نحو استهداف الشبكات المالية والإعلامية والتنظيمية المرتبطة بالتطرف. وأصبحت العقوبات الاقتصادية أداة مركزية في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، حيث توسعت عمليات مراقبة التحويلات المالية والجمعيات والمؤسسات التي يُشتبه في استخدامها كواجهات لتمويل أنشطة مرتبطة بالتطرف أو الدعاية السياسية العابرة للحدود.
كما بدأت الولايات المتحدة في تطوير مستوى غير مسبوق من التعاون الاستخباراتي مع حلفائها الأوروبيين والعرب بهدف تعقب الشبكات المالية والتنظيمية المرتبطة بالإسلام السياسي. وترى واشنطن أن هذه الشبكات أصبحت أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، خاصة مع انتقال جزء كبير من عمليات التمويل والتعبئة إلى الفضاء الرقمي، وهو ما جعل المعركة أكثر تشابكًا من المواجهة التقليدية مع التنظيمات المسلحة.
في الوقت ذاته، بدأت المؤسسات الأمريكية تنظر إلى الإعلام الرقمي باعتباره أحد أخطر ساحات الصراع الجديدة. فالجماعات المرتبطة بالإسلام السياسي طورت خلال السنوات الأخيرة أدوات هائلة في مجالات التأثير الإعلامي والحشد الإلكتروني وصناعة الرواية السياسية. وأصبحت المنصات الرقمية مساحة مفتوحة لإعادة إنتاج الخطابات التعبوية والتأثير على الرأي العام داخل الشرق الأوسط وخارجه.
ولهذا تصاعدت داخل واشنطن الدعوات لمواجهة ما تصفه الأجهزة الأمنية بـ”الدعاية العابرة للحدود”، خصوصًا مع تنامي المخاوف من قدرة الجماعات الأيديولوجية على استقطاب الشباب عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وترى الولايات المتحدة أن معركة المستقبل لن تُحسم فقط في ساحات القتال، بل داخل الفضاء المعلوماتي العالمي، حيث تتحول التكنولوجيا إلى أداة تعبئة وتأثير ونفوذ سياسي.
التحول الأمريكي يتقاطع أيضًا مع تشدد أوروبي متزايد تجاه جماعات الإسلام السياسي. ففي France وAustria وGermany برزت خلال السنوات الأخيرة تحذيرات رسمية من خطر “التطرف غير العنيف”، أي الحركات التي تعمل قانونيًا لكنها تُتهم بنشر خطاب انعزالي أو راديكالي قد يمهد لظهور أشكال أكثر تشددًا من العنف.
هذا المناخ دفع واشنطن إلى تعزيز التنسيق الأمني مع العواصم الأوروبية، خاصة في مجالات تبادل المعلومات الاستخباراتية ومراقبة التمويل ومتابعة النشاطات الرقمية المرتبطة بالشبكات العابرة للحدود. وأصبح هناك إدراك متزايد داخل الغرب بأن مواجهة التطرف لم تعد ممكنة عبر السياسات المحلية وحدها، بل تتطلب تحالفًا دوليًا طويل الأمد.
ورغم هذا التشدد المتصاعد، تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على توازن حساس بين مكافحة التطرف وحماية الحريات الدينية والسياسية. فالإدارة الأمريكية تدرك أن أي خلط بين الإسلام كدين وبين التنظيمات المتشددة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويمنح الجماعات الراديكالية فرصة لتعزيز خطاب “استهداف المسلمين”. ولهذا تؤكد واشنطن رسميًا أن المواجهة تستهدف الشبكات المرتبطة بالعنف أو التحريض والتطرف، وليس المجتمعات المسلمة أو الدين الإسلامي.
لكن الواضح أن النظرة الأمريكية تجاه جماعة الإخوان المسلمين تمر بمرحلة إعادة تقييم عميقة. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بسلوك الجماعة في دولة معينة، بل بدورها المحتمل داخل شبكة أوسع من العلاقات الفكرية والتنظيمية العابرة للحدود. وهذا ما يجعل ملف الإخوان اليوم واحدًا من أكثر الملفات حساسية داخل مؤسسات الأمن القومي الأمريكي.
ففي عالم تتداخل فيه الحروب التقليدية مع الدعاية الرقمية والتمويل السري والشبكات الأيديولوجية، تبدو واشنطن مقتنعة أكثر من أي وقت مضى بأن المواجهة مع التطرف لا تبدأ عند حدود التنظيمات المسلحة، بل عند المنظومات الفكرية والسياسية التي تمنح تلك التنظيمات القدرة على الاستمرار وإعادة التشكل جيلاً بعد جيل.
