سياسة

أزمات الصيانة تلاحق أحدث السفن الحربية الأمريكية


رغم الدور الفعال للتقدم التكنولوجي في سفن البحرية الأمريكية، فإنه يحمل في طياته سلبيات تتعلق بالمشكلات التقنية وعمليات الصيانة.

وسلطت سلسلة من الحوادث الخطيرة التي وقعت على متن عدد من سفن البحرية الأمريكية الأكثر تطورًا من الناحية التكنولوجية، الضوء على التحديات المتزايدة التي تواجهها البحرية في تشغيل أسطولها الذي يتطلب صيانة متزايدة. 

وبدلاً من اعتبارها حوادث معزولة، يرى المحللون أن الحرائق والأعطال الكهربائية ومشكلات الدفع تشير إلى مشكلات أوسع نطاقًا تتعلق بالصيانة وتدريب الطاقم ودمج التقنيات الجديدة المتطورة على السفن العاملة، وفقا لما ذكرته مجلة “ميليتري ووتش”.  

ومن منظور دولي، اعتبر تقرير في مجلة “السفن البحرية والتجارية” الصينية، التي عادةً ما تنشر تقارير إيجابية عن المعدات الأمريكية، أن هذه الحوادث تأتي نتيجة “ضغوط ونقائص منهجية”. 

وأشارت المجلة إلى أمثلة حديثة لمشكلات واجهتها حاملة الطائرات العملاقة “يو إس إس جيرالد فورد”، ومدمرات فئة “زوموالت”، وحاملة الطائرات “يو إس إس دوايت دي آيزنهاور” من فئة “نيميتز”، ومدمرة “يو إس إس هيغينز” من فئة “أرلي بيرك”.

وخلصت المجلة إلى أن المشكلات التي تمت ملاحظتها في معظم الأسطول الأمريكي ناجمة عن عمليات نشر مفرطة، واعتماد مفرط على التكنولوجيا المعقدة، ودعم غير كافٍ من أحواض بناء السفن. 

وأوضحت أن “المشكلة الأساسية المشتركة التي تعكسها هذه المشكلات هي الضغط المنهجي والقصور في مجالات إدارة المعدات، ودعم الصيانة، والسيطرة على الأضرار”. 

وقالت إن “هذه المشكلات التي تتجلى في خسائر غير قتالية تُضعف باستمرار القدرات القتالية للأسطول”، مؤكدةً أن المخاطر تتزايد.

جاء التقييم الصيني بعد أيام من إصابة 64 بحارًا بوعكة صحية نتيجة تعرضهم لأبخرة عادم الديزل إثر عطل في مولد كهربائي على متن الغواصة “يو إس إس نبراسكا” النووية من فئة “أوهايو” والتي تعمل بالصواريخ الباليستية. 

كما اندلع حريق في غرفة غسيل الملابس على متن الغواصة “يو إس إس جيرالد فورد” في مارس/آذار الماضي، مما يوحي بوجود “نقص في الصيانة” ناجم عن عمليات الانتشار المطولة عالميًا، وأن إرهاق الطاقم كان عاملًا مؤثرًا أيضًا. 

وقد يؤدي هذا الوضع إلى تراكم “مخاطر خفية” في كل شيء، بدءًا من المعدات القتالية وصولًا إلى سلامة الطاقم، كما أن المشكلات قد “تخرج عن السيطرة في أي لحظة”.

وتناول التقرير -أيضًا- المدمرة الأمريكية “يو إس إس زوموالت” وشقيقاتها، التي جرى تطويرها ضمن برنامج يهدف إلى ابتكار مدمرات ثورية ذات قدرات خفية ومدفعية موجهة بدقة، إلا أنها واجهت انتكاسات فنية متكررة منذ إطلاقها. 

وأثبت نظام الطاقة المتكامل، المصمم لتوزيع الكهرباء في جميع أنحاء السفينة مع دعم أسلحة الطاقة الموجهة المستقبلية، صعوبة أكبر بكثير في التشغيل والصيانة مما كان متوقعا. 

وكان للأعطال الميكانيكية، وتعطل أنظمة الدفع، والمشكلات المتعلقة بالبرمجيات تأثير سلبي على السفن، مما قلل من جاهزيتها العملياتية وفي الوقت نفسه، أدت تجاوزات التكاليف إلى أن تصبح مدمرات فئة “زوموالت” أغلى سفن حربية في العالم، حيث تقارب تكلفة كل منها 8 مليارات دولار.

ووفقًا للتقييم الصيني، تكمن إحدى المشكلات الأساسية في أن السفن الحربية الحديثة في البحرية الأمريكية باتت تشبه محطات الطاقة العائمة وشبكات الحاسوب بقدر ما تشبه السفن الحربية التقليدية. 

فعلى متن هذه السفن يتم توليد كميات هائلة من الطاقة الكهربائية وتوزيعها عبر أنظمة مترابطة تدعم أجهزة الاستشعار والاتصالات والدفع والرادار ومعدات الحرب الإلكترونية والأسلحة.

نقاط ضعف

ويوفر هذا المستوى من التكامل مزايا قتالية كبيرة، ولكنه يخلق أيضًا نقاط ضعف إضافية، حيث يمكن أن تؤثر الأعطال في نظام فرعي واحد على العديد من الأنظمة الأخرى لذا، فإن الحرائق الناجمة عن المعدات الكهربائية يصعب عزلها بصورة أكبر من تلك التي تحدث في فئات السفن الأقدم.

وفي الوقت نفسه، فإن زيادة الأتمتة لم تقلل من المخاطر التشغيلية فعلى الرغم من أن السفن الحديثة تتطلب عددًا أقل من البحارة مقارنةً بالأجيال السابقة إلا أن الطواقم الأصغر قد يكون لديها أيضًا عدد أقل من الأفراد المتاحين فورًا للاستجابة للحرائق أو الفيضانات أو الأعطال الميكانيكية. 

ويلقي نقص الأفراد بعبء أكبر على كل بحار أثناء حالات الطوارئ، خاصة على متن السفن ذات الأنظمة الداخلية شديدة التعقيد. 

كما أدى تطور السفن الحربية الجديدة إلى زيادة ملحوظة في متطلبات الصيانة، في حين لا تزال البحرية الأمريكية تعاني من نقص في طاقة أحواض بناء السفن، ونقص في العمالة الماهرة، وتراكم في أعمال الإصلاح. 

لذلك، حتى المشكلات التقنية البسيطة نسبيًا قد تؤدي إلى توقف السفن عن العمل لفترات طويلة في انتظار الإصلاحات أو قطع الغيار، كما تتزايد أهمية تحديات الصيانة مع سعي البحرية للحفاظ على وتيرة عملياتية عالية في المحيط الهادئ والشرق الأوسط وأوروبا في آنٍ واحد.

ويضع هذا التقييم المشكلات التشغيلية للبحرية الأمريكية في سياق أوسع من الصعوبات المستمرة التي تؤثر على عمليات الشراء في البحرية الأمريكية، في ظل تجاوزات التكاليف وتأخيرات وتخفيضات في القدرات المخطط لها في أنواع متعددة من السفن. 

ويرى المحللون أن البحرية الأمريكية كثيراً ما حاولت إدخال عدد كبير من التقنيات غير المجربة في وقت واحد، مما زاد من المخاطر التقنية وجعل حل المشكلات أكثر صعوبة بعد دخول السفن الخدمة. 

ويخلص التقرير الصيني إلى أن هذه الحوادث لا تشير إلى افتقار البحرية الأمريكية للتفوق التكنولوجي على خصومها، بل توضح التحدي المتزايد المتمثل في تحقيق التوازن بين القدرات المتطورة والموثوقية التشغيلية. 

وقال التقرير إنه مع ازدياد اعتماد السفن الحربية على البنية الكهربائية المتقدمة، وتكامل البرمجيات، والأتمتة، سيصبح ضمان الموثوقية وسهولة الصيانة والسيطرة الفعالة على الأضرار بنفس أهمية إدخال أسلحة أو أجهزة استشعار جديدة. 

أخيرا فإن الحرائق والأعطال الكهربائية الأخيرة تعد بمثابة تذكير بأن التطور التكنولوجي وحده لا يضمن الجاهزية التشغيلية، خاصة عندما تكافح الصيانة والقدرة الصناعية وتدريب الأطقم لمواكبة التعقيد المتزايد للأنظمة.

زر الذهاب إلى الأعلى