المليارات وحدها لا تكفي.. تحديات الناتو بعد قمة أنقرة
رغم أن إعلان أنقرة الذي اختتم قمة لحلف الناتو كان متفائلاً بزيادة الإنفاق الدفاعي، فإن تلك الخطوة وحدها لن تكفي لمساعدة الحلف على بلوغ أهدافه بحلول عام 2029.
فكيف؟
خلال قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، أشاد الأمين العام للحلف مارك روته، بـ”التقدم التحويلي” الذي أحرزه التحالف، مشيرًا إلى أن الحلفاء الأوروبيين وكندا يستثمرون الآن حوالي 4% من الناتج المحلي الإجمالي في الدفاع والأمن، مع تخصيص 258 مليار دولار إضافية خلال عامي 2025 و2026.
ورغم أن هذا الإنفاق يعد تقدمًا، فإنه في الحقيقة مجرد متابعة للالتزامات التي تم قطعها سابقا في قمة لاهاي لكن ما ينقص الدول القومية الأوروبية وبالأخص الدول الخمس: بولندا، وألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا، والمملكة المتحدة هو قيامها بدور ريادي في سد بعض الثغرات في القدرات، من خلال دورات تمويل ملتزمة، وجداول زمنية للتطوير والنشر، والتزامات سياسية، وفقا لما ذكره تحليل نشره موقع “ناشيونال إنترست” الأمريكي.
تحديات
وأوضح الموقع أن التحدي الراهن الذي يواجه الحلف بعد قمة أنقرة يتمثل في أن التمويل الأوروبي المتزايد لا يحقق العائد المرجو؛ لأن الأوروبيين عالقون بين مشكلتين أساسيتين في قاعدة الصناعات الدفاعية الأوروبية.
المشكلة الأولى هي أن الدول الأعضاء لا تستطيع منفردةً الإنتاج على نطاق واسع، وبالتالي يبدو أنها تتكبد تكاليف ضخمة، فيما المشكلة الثانية تتمثل في معاناة التحالف من الاعتماد المفرط على المنصات متعددة الجنسيات، خاصة فيما يتعلق بالطائرات.
فعندما تقرر الدول أن بناء المعدات الضخمة مكلف للغاية بحيث لا يمكنها القيام بذلك بمفردها، تقسم المشروع إلى مجموعات من ثلاث أو أربع دول، في نموذج لاقى رواجاً كبيراً لدرجة أن المملكة المتحدة لم تصنع طائراتها النفاثة الخاصة منذ انضمامها إلى إيطاليا وألمانيا في تصميم وبناء طائرة “تورنادو” في سبعينيات القرن الماضي.
وإلى جانب بعض النجاحات، جلبت هذه الترتيبات معها مشكلاتها الخاصة، كالمشكلات السياسية، وترتيبات تقاسم العمل، وتضارب المتطلبات.
وبدلًا من تعظيم الكفاءة، قد يؤدي الإنتاج متعدد الجنسيات المدفوع بالتسويات السياسية إلى إنشاء سلاسل إمداد أكثر تكلفة وأقل مرونة من تلك الموجودة في صناعة دفاعية أكثر تكاملًا، كما أنها أكثر عرضة للتخريب.
ويقول الموقع الأمريكي، إن صناعة دفاعية أوروبية أقل تشتتًا ستقلل الازدواجية، وتحقق وفورات حقيقية في الإنتاج، وتوفر المعدات بسرعة أكبر وبتكلفة أقل وينبغي أن يمتد هذا المنطق نفسه إلى ما هو أبعد من المنصات التقليدية ليشمل القدرات التي تفتقر إليها أوروبا حاليًا.
وبحسب “ناشيونال إنترست” فإنه يجب تركيز الاستثمار في الدفاع الصاروخي المتكامل، والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، وأصول الاستخبارات والفضاء، وقدرات الضربات بعيدة المدى، والنقل الجوي الاستراتيجي والثقيل، والبنية التحتية الرقمية التي تدعم العمليات العسكرية الحديثة.
ورغم التنوع الاستثنائي لأنظمة الأسلحة الأوروبية، إلا أنها باهظة الثمن، لذا لا تزال أوروبا تعتمد بشكل كبير على المعدات الأمريكية في مختلف فروع القوات المسلحة ولا يكمن الخلل في المنصات نفسها، بل في نماذج الأعمال و”حلولها”.
روشتة نجاح رؤية «حلف ناتو أقوى»
ودائما ما شكل الاعتماد على الولايات المتحدة مشكلة أمنية، ولتحقيق رؤية روته لـ”أوروبا أقوى في حلف ناتو أقوى”، تحتاج القارة العجوز إلى امتلاك معداتها الخاصة وبنيتها التحتية الاستراتيجية.
وسيكون التكامل الصناعي الأوسع، بدلاً من المزيد من البرامج المكررة على المستوى الوطني، أمراً بالغ الأهمية لنجاح حلف الناتو وهو ما يتطلب من الأعضاء الخمسة الرئيسيين (فرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وبولندا، والمملكة المتحدة) العمل معاً بشكل أوثق لسد فجوات القدرات.
ويتعين هذا الأمر تشجيع الدول الأعضاء على تجاوز المفاهيم البالية للاكتفاء الذاتي في مجال الدفاع الوطني، والتوجه نحو تحالف متكامل حقيقي قادر على توليد قوة قتالية بكفاءة.
في النهاية فإن شعار “استثمار الأموال” يحتاج لأن يصبح أكثر من مجرد شعار سياسي، وهو ما يتطلب أن يتم قياس تحول حلف الناتو ليس فقط بحجم الإنفاق، بل أيضا بكيفية الإنفاق.
