حصري

السودان.. ساحة التقاء الأضداد: تحالف القاهرة وطهران وأنقرة ومأزق الحسابات الأوروبية


تم نشر تقرير تحليلي في منصة Atalayar الاخبارية الاسبانية يذكر أن الحرب في السودان تحولت إلى ساحة لتنافس القوى الإقليمية، ويركز على دعم مصر للجيش السوداني. وينتقد التقرير هذا الدعم باعتباره لا يقتصر على الجيش النظامي، بل يسهم في تمكين كتائب إسلامية (ميليشيا البراء بن مالك / اكثر من 20 الف مقاتل) وشبكات مرتبطة بنظام عمر البشير والحركة الإسلامية، كما يذكر تقديم مصر تسهيلات استخباراتية ولوجستية وجوية، واستخدام أراضيها ممرا للدعم العسكري التركي إلى السودان. ويصف التقرير السياسة المصرية بالتناقض، إذ تحارب القاهرة جماعة الإخوان داخل مصر بينما يساعد دعمها للجيش السوداني، على إعادة نفوذ الجماعات الإسلامية وإطالة أمد الحرب.

وجاء في التقرير :
تحولت الحرب في السودان إلى مختبر جيوسياسي فريد، حيث تتقاطع مصالح قوى إقليمية متناحرة أصلاً على هدف تكتيكي واحد: منع هزيمة الجيش السوداني. ففي مشهد نادر، تجد مصر وإيران وتركيا أنفسهن في نفس الخندق، أو على الأقل يدعمن الطرف نفسه، مما يخلق شبكة دعم إقليمية معقدة تثير أكثر من علامة استفهام، وتضع أوروبا أمام مأزق حقيقي في قراءة المشهد.

التقاء الأضداد: لوجستيات التحالف غير المعلن
لم تعد الساحة السودانية ساحة لصراع ثنائي بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل أصبحت نقطة جذب لإقليميين يبحثون عن موطئ قدم. إيران تزود الجيش بطائرات “مهاجر-6” المسيرة لضمان نفوذها على البحر الأحمر، وتركيا تفتح جسراً جوياً ولوجستياً لتزويد الجيش بالخبرات والمنظومات القتالية، ومصر توفر العمق الاستراتيجي والغطاء السياسي، بل وتسمح باستخدام مجالاتها الجوية ومنشآتها كنقاط عبور للرحلات التركية المحملة بالسلاح. هذا “التقاطع التكتيكي” لا يعكس تحالفًا استراتيجيًا بين القاهرة وطهران أو أنقرة، بل يعكس قدرة القيادة السودانية والإسلاميين الموالين لها على استغلال التنافس الإقليمي. فكل دولة تقدم ما يخدم نفوذها، والإسلاميون السودانيون يستثمرون هذا الدعم لإعادة تموضعهم داخليًا.
الخط التحريري الأوروبي: بين دعم الدولة وتمويل الفصائل
هنا تكمن المعضلة الكبرى لأوروبا. تنظر العواصم الأوروبية أحيانًا إلى الدعم المقدم للجيش السوداني على أنه “دعم لمؤسسة دولة” في مواجهة تشكيلات متمردة أو مدعومة من جهات أخرى. لكن هذا التحليل يغفل الحقيقة الميدانية: الجيش السوداني أصبح كيانًا هجينًا. عندما تتدفق الأسلحة التركية والإيرانية عبر المطارات المصرية والسودانية، فإن المستفيد النهائي ليس فقط الضابط السوداني النظامي، بل شبكة الكتائب الإسلامية وقوات التعبئة. أوروبا التي تكافح الهجرة غير النظامية وتمويل الإرهاب، تغفل أن إطالة أمد الحرب عبر هذا الدعم الإقليمي المتقاطع يدمر الدولة السودانية، ويفتح الحدود أمام شبكات التهريب، ويضخ موجات من النازحين نحو المتوسط.
تداعيات إقليمية: من البحر الأحمر إلى الساحل الأفريقي
إن استمرار هذا “التقاطع” في الدعم يعني أن السودان يسير نحو ترسيخ نموذج دولة “شبه فاشلة” عسكريًا، تسيطر فيها الميليشيات العقائدية على الأرض بدعم من قوى خارجية. هذا النموذج لا يهدد الأمن المصري فحسب (بسبب القرب الجغرافي والروابط الأيديولوجية)، بل يهدد الأمن الأوروبي أيضًا. فتح المجال الجوي والمطارات المصرية أمام شحنات السلاح التركية والإيرانية المتجهة للسودان يضع أوروبا أمام سؤال جوهري: كيف يمكن مكافحة انتشار السلاح في منطقة الساحل والقرن الأفريقي، بينما يتم تغذية ساحة سودانية بأسلحة متطورة تخرج عن السيطرة بمجرد انتهاء الحرب؟
إن الحرب في السودان كشفت عن قدرة الأطراف المتصارعة إقليميًّا على تجاوز خلافاتها حينما يتعلق الأمر بالمصالح المباشرة. لكن هذا “التحالف غير المعلن” بين القاهرة وطهران وأنقرة لدعم الجيش السوداني والإسلاميين المقاتلين معه، يمثل قنبلة موقوتة. بالنسبة لمصر، هو رهان قد يضمن ولاءً مؤقتًا على حساب بناء تهديد أيديولوجي مستقبلي. وبالنسبة لأوروبا، هو فشل في قراءة طبيعة الكيان الممول؛ فالدعم لا يذهب إلى “دولة”، بل يذهب إلى “منظومة هجينة” تجمع بين العسكرية والأيديولوجيا، وهي منظومة ستترك آثارها المدمرة على استقرار البحر الأحمر، وأمن الحدود الجنوبية لأوروبا، لسنوات طويلة قادمة.
زر الذهاب إلى الأعلى