حصري

عضو بمجلس الشيوخ الأمريكي: السعودية ضخّمت الحوثيين ومنحتهم قيمة سياسية على حساب حلفائها في الجنوب


لم يكن التحول الذي انتهجته المملكة العربية السعودية في اليمن، والقائم على التهدئة والانفتاح على المفاوضات المباشرة مع جماعة الحوثي، مجرد تغيير في أسلوب إدارة الحرب، بل مثل تحولًا استراتيجيًا أعاد رسم موازين القوى داخل البلاد. وبينما كانت الرياض تراهن على إنهاء حرب استنزفتها عسكريًا واقتصاديًا منذ عام 2015، يرى مراقبون أن نتائج هذه المقاربة جاءت بعكس ما كان مأمولًا، إذ عززت موقع الحوثيين سياسيًا وعسكريًا، مقابل تراجع نفوذ القوى الجنوبية الحليفة للمملكة.

وتزامنت هذه الانتقادات مع تصريحات للسيناتور الأمريكي كريس ميرفي، عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، الذي اعتبر أن السعودية “ضخّمت الحوثيين ومنحتهم قيمة سياسية” عبر تقديم التنازلات والانخراط في مفاوضات مباشرة معهم، في الوقت الذي تعرضت فيه القوات الجنوبية لضغوط متزايدة رغم أنها كانت تمثل رأس الحربة في مواجهة الجماعة.

من الحرب إلى التفاوض بعد سنوات من العمليات العسكرية التي لم تنجح في حسم الصراع، فضّلت الرياض الانتقال إلى خيار التهدئة، وبدأت اتصالات مباشرة مع الحوثيين في صنعاء والرياض وسلطنة عمان، في إطار مساعٍ للتوصل إلى اتفاق دائم يضمن وقف الهجمات على الأراضي السعودية وتأمين الحدود الجنوبية. لكن هذا المسار، وفق منتقديه، منح الجماعة اعترافًا سياسيًا غير مسبوق، بعدما أصبحت طرفًا رئيسيًا في المفاوضات الإقليمية، بينما تراجعت مكانة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا وبقية المكونات المناهضة للحوثيين. ويرى محللون أن مجرد جلوس الحوثيين على طاولة التفاوض مع السعودية باعتبارهم الطرف الأكثر تأثيرًا في المشهد اليمني شكّل مكسبًا سياسيًا كبيرًا للجماعة، ورسّخ صورتها باعتبارها القوة الأكثر حضورًا في أي تسوية مستقبلية.

مكاسب دون تنازلات خلال مرحلة التهدئة، شهدت مناطق سيطرة الحوثيين تسهيلات مرتبطة بحركة الطيران عبر مطار صنعاء، ومرونة أكبر في تشغيل ميناء الحديدة، إلى جانب نقاشات حول صرف الرواتب وتحسين الوضع الاقتصادي. غير أن هذه الخطوات، بحسب منتقدي السياسة السعودية، لم يقابلها أي تغيير جوهري في سلوك الحوثيين، إذ استمرت الجماعة في الاحتفاظ بترسانتها العسكرية، ومواصلة عمليات التجنيد والتعبئة، دون إحراز تقدم ملموس في ملفات إنسانية وسياسية عالقة، مثل فتح الطرق المؤدية إلى مدينة تعز أو الانخراط في تسوية شاملة تنهي الحرب.

الجنوب… الحليف الذي دفع الثمن في المقابل

تعرضت القوات الجنوبية، التي خاضت معارك طويلة ضد الحوثيين وسيطرت على معظم محافظات الجنوب، لضغوط سياسية وعسكرية متزايدة تحت عنوان إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية وتوحيد القرار الأمني ضمن مجلس القيادة الرئاسي. ويقول قادة جنوبيون إن تلك الضغوط حدّت من قدرة هذه القوات على أداء دورها الميداني، وأضعفت نفوذها العسكري في وقت كانت الجماعة الحوثية تستثمر الهدنة لإعادة تنظيم صفوفها.

كما يرى مراقبون أن إضعاف القوات الجنوبية انعكس مباشرة على منظومة الأمن الحدودي للمملكة، باعتبارها كانت تمثل إحدى أهم القوى البرية التي واجهت الحوثيين على امتداد الجبهة الجنوبية.

الهدنة… فرصة لإعادة بناء القوة

وبينما انخفضت وتيرة العمليات العسكرية خلال فترة التهدئة، استغل الحوثيون هذه المرحلة لإعادة ترتيب بنيتهم العسكرية، وتطوير منظوماتهم الصاروخية والطائرات المسيّرة، وفق تقديرات وتقارير غربية متعددة. ويعتبر خبراء أن سنوات خفض التصعيد منحت الجماعة وقتًا كافيًا لإعادة التموضع، وتحسين قدراتها العسكرية، وتوسيع شبكات الإمداد، ما انعكس لاحقًا في ارتفاع مستوى التهديدات التي طالت السعودية، وكذلك الملاحة الدولية في البحر الأحمر. عودة التصعيد ومع تعثر مسار التسوية، عادت لغة القوة إلى الواجهة. فقد هدد الحوثيون باستهداف المطارات والمنشآت النفطية السعودية، فيما شهدت المرحلة الأخيرة تصاعدًا في العمليات العسكرية والهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ، إلى جانب توسيع نطاق عمليات الجماعة في البحر الأحمر واستهداف السفن التجارية، الأمر الذي أدخل الأزمة اليمنية في بعد إقليمي ودولي أكثر تعقيدًا. ويرى مراقبون أن هذه التطورات تعكس محدودية الرهان على التهدئة وحدها، في ظل غياب ضمانات ملزمة تمنع إعادة التصعيد.

معادلة جديدة يعتقد منتقدو النهج السعودي أن السياسة القائمة على تقديم الحوافز السياسية والاقتصادية دون فرض التزامات متبادلة أفرزت معادلة جديدة داخل اليمن. فالحوثيون خرجوا من سنوات التهدئة أكثر تنظيمًا وحضورًا على المستويين السياسي والعسكري، بينما فقدت القوى الحليفة للرياض جزءًا من نفوذها، الأمر الذي أدى إلى اختلال ميزان الردع الذي كان قائمًا خلال سنوات الحرب الأولى.

وفي المقابل، يرى مؤيدو خيار التفاوض أن المملكة كانت تبحث عن مخرج واقعي من حرب طويلة ومكلفة، وأن استمرار العمليات العسكرية لم يكن يضمن تحقيق نتائج أفضل. لكن مع عودة التهديدات الأمنية وتصاعد التوتر على الحدود الجنوبية وفي البحر الأحمر، يظل السؤال مطروحًا داخل الأوساط السياسية والعسكرية: هل نجحت سياسة التهدئة في تحقيق أمن المملكة، أم أنها منحت الحوثيين فرصة لإعادة بناء قوتهم، بينما خسر حلفاء الرياض نفوذهم على الأرض؟

زر الذهاب إلى الأعلى