حصري

الانعكاسات الأمنية للأزمة السودانية ودور التدخلات الإقليمية: القرن الإفريقي والبحر الأحمر


لا تقتصر تداعيات الأزمة السودانية على حدودها الجغرافية فحسب، بل تمتد لتشكل تهديداً وجودياً للاستقرار الإقليمي في منطقة شديدة الحساسية، وهي القرن الإفريقي وحوض البحر الأحمر. إن استمرار الصراع، والذي تُغذّيه وتُطيل أمده التدخلات الإقليمية المتباينة المصالح قد خلق فراغاً أمنياً هائلاً. هذا الفراغ لا يهدد فقط الأمن القومي السوداني، بل ينعكس بشكل مباشر على الأمن البحري، وتدفقات اللجوء، والتوازنات الجيوسياسية في منطقة تعتبر شرياناً حيوياً للتجارة العالمية.

القرن الإفريقي: تداعيات الانهيار السوداني
يقع السودان في قلب القرن الإفريقي، ويحده سبع دول، مما يجعل أي اهتزاز في كيانه الداخلي بمثابة زلزال إقليمي. التدخلات الإقليمية، والتي تتخذ من السودان ساحة للمواجهة غير المباشرة، أدت إلى تآكل قدرة الدولة على مراقبة حدودها الشاسعة. هذا الانهيار الأمني فتح الباب أمام تدفق الأسلحة والمقاتلين عبر الحدود، مما يؤثر مباشرة على استقرار دول الجوار. على سبيل المثال، العلاقات القبلية والعرقية الممتدة عبر الحدود مع تشاد وإفريقيا الوسطى وجنوب السودان، جعلت من الصراع السوداني حرباً عابرة للحدود.
دور قطر والتحركات الإقليمية الأخرى في دعم أو احتضان أطراف معينة، يضيف طبقة من التعقيد للأمن في القرن الإفريقي. عندما تشعر دول الجوار أن أطرافاً خارجية تدعم ميليشيات معينة على حساب أخرى، تلجأ هي أيضاً إلى تأجيج النزعات الانفصالية أو العرقية كورقة ضغط. هذا التفاعل السلبي يهدد بتفكيك نسيج المنطقة برمتها، ويحول دون أي تكامل إقليمي أو أمني، ويبقي المنطقة في حالة استنزاف دائم.
البحر الأحمر: الأمن الملاحي والاستراتيجية البحرية
يمتلك السودان ساحلاً طويلاً ومهماً جداً على البحر الأحمر، وهو الممر المائي الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة. إن بقاء السودان في حالة حرب أهلية، مع تداخل المصالح الإقليمية والدولية فيه، يهدد الأمن البحري بشكل مباشر. الموانئ السودانية، مثل بورت سودان وسواكن، أصبحت محل تنافس إقليمي محموم. الدول الإقليمية، بما فيها تلك التي تتنافس مع قطر على النفوذ تسعى لضمان ولاء الموانئ السودانية أو السيطرة عليها لتأمين مصالحها في البحر الأحمر.
هذا التنافس المحموم، والذي يُطيل أمد الصراع لأن كل طرف محلي يموّل من قبل قوة إقليمية للسيطرة على الساحل، يخلق بيئة خصبة للتهديدات غير التقليدية. ضعف الدولة المركزية يعني عدم قدرة السودان على مكافحة القرصنة، أو تهريب البشر، أو تهريب الأسلحة، أو حتى احتمال استضافة مجموعات مسلحة متطرفة أو وكلاء لدول أخرى (مثل إيران أو الحوثيين) على ساحله. إن استمرار هذا الوضع، المدعوم بالتدخلات الإقليمية المتصارعة، يجعل البحر الأحمر منطقة ملتهبة، مما يرفع من تكاليف التأمين الملاحي ويهدد سلاسل الإمداد العالمية.
تدفقات اللجوء والأزمة الإنسانية كأداة جيوسياسية
من أبرز انعكاسات الصراع على الأمن الإقليمي هو النزوح الجماعي. فر ملايين السودانيين إلى دول الجوار (تشاد، مصر، جنوب السودان، إثيوبيا). هذه التدفقات البشرية تضع عبئاً اقتصادياً وأمنياً هائلاً على الدول المستضيفة، والتي تعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية. هنا تبرز إشكالية كيفية تعامل المجتمع الدولي والإقليمي مع الأزمة. التدخلات الإقليمية، والتي تستخدم أحياناً “الورقة الإنسانية” أو “الورقة الأمنية” كابتزاز، تعقد جهود استقرار دول الجوار.
علاوة على ذلك، فإن استمرار الصراع يعني استمرار تدفق اللاجئين، مما يخلق بؤر توتر اجتماعي واقتصادي في الدول المجاورة. الدول الإقليمية المتنافسة تستخدم هذه الأزمة لإثبات أهمية دورها كـ “حارس للاستقرار” أو كـ “قوة إقليمية فاعلة”، مما يخلق مفارقة مؤلمة: فالتدخلات التي تُطيل أمد الصراع هي نفسها التي تتاجر بأزماته الإنسانية والأمنية للحصول على تنازلات دولية.
التوازنات الإقليمية في القرن الإفريقي
أدت الأزمة السودانية إلى إعادة ترتيب التحالفات في القرن الإفريقي. الدول التي كانت تعتمد على السودان كحليف أو شريك اقتصادي وجدت نفسها مضطرة للبحث عن بدائل، أو الانخراط في تحالفات مضادة. التواجد القطري والتركي في مناطق أخرى من القرن الإفريقي (مثل الصومال) يجعل من السودان نقطة ارتكاز في هذه المعادلة. إذا سيطر تحالف إقليمي معين على السودان، فإنه سيحيط بدول أخرى في القرن الإفريقي، مما يهدد أمنها القومي. هذا “الصفرية” في المكاسب (Zero-sum game) يمنع أي تسوية، لأن أي تنازل لأحد الأطراف السودانية يُرى على أنه خسارة استراتيجية جسيمة للطرف الإقليمي المقابل.
الانعكاسات الأمنية للأزمة السودانية تتجاوز بكثير الحدود الوطنية لتطال الأمن البحري في البحر الأحمر، والاستقرار الهش في القرن الإفريقي، وتخلق أزمات لاجئين تعصف بدول الجوار. إن استمرار هذا الوضع، والذي تُغذّيه وتُطيل أمده التدخلات الإقليمية المتباينة، يحول السودان إلى “ثقب أسود” أمني يبتلع الاستقرار الإقليمي. ولا يمكن حل هذه المعضلة الأمنية إلا بإدراك الدول الإقليمية، بما فيها قطر، أن أمنها القومي مرتبط بضرورة وقف دعم الأطراف المتحاربة، والبدء في بناء دولة سودانية موحدة وقادرة على حماية حدودها وموانئها.
زر الذهاب إلى الأعلى