انشقاق في صفوف المتمردين التشاديين يبدل موازين القوى جنوب ليبيا
أعاد إعلان صالح آدم إسحاق، قائد حركة “السمسير” التشادية المتمردة، انشقاقه مع عدد من مقاتليه بكامل عتادهم وتسليم أنفسهم للجيش الوطني الليبي، تسليط الضوء على النشاط المتزايد للجماعات المسلحة الأجنبية في جنوب ليبيا، إذ تمثل الخطوة تحولا كبيرا في خريطة التوازنات على الحدود مع تشاد، التي تعد واحدة من أكثر المناطق هشاشة أمنياً في منطقة الساحل والصحراء.
وأعلن إسحاق الانسحاب من القتال إلى جانب “غرفة تحرير الجنوب” التي يقودها المسلح محمد وردقو. في وقت تشهد فيه الحدود الليبية التشادية تصاعداً في العمليات العسكرية والتنسيق الأمني بين البلدين، في محاولة للحد من تحركات الجماعات المتمردة وشبكات التهريب التي تستغل الطبيعة الصحراوية الوعرة وضعف السيطرة الحكومية على امتداد مئات الكيلومترات.
وتزايد التنسيق بين ليبيا وتشاد مع إدراك البلدين أن التهديدات الحدودية عابرة للدول، وأن مواجهة الجماعات المسلحة تتطلب تبادل المعلومات وتنفيذ عمليات متزامنة على جانبي الحدود لمنع المتمردين من استغلال الفجوات الأمنية أو إعادة الانتشار بعد كل عملية عسكرية. كما يسهم هذا التعاون في الحد من انتقال المقاتلين والأسلحة بين البلدين، ويعزز فرص استقرار الجنوب الليبي الذي يمثل بوابة استراتيجية نحو دول الساحل.
وبرر إسحاق قراره بأنه جاء بعد مراجعة لمسار الحركة، معرباً عن أمله في أن يتولى الفريق صدام حفتر، نائب القائد العام لـ”الجيش الوطني”، التوسط لدى الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي لتأمين عودتهم إلى تشاد، والمساهمة في ترسيخ الأمن والاستقرار هناك.
كما دعا بقية عناصر الحركة إلى “تغليب صوت العقل والانخراط في مسار السلام”، والتخلي عن القتال، مؤكداً أن استمرار المواجهات لن يحقق أي مكاسب. وبرر انشقاقه بما وصفه بـ”انحراف” قيادة الحركة عن أهدافها، متهماً رئيسها محمد علي يوسف، ومحمد وردقو، باستغلال عناصر الحركة لخدمة مصالح شخصية، والزج بهم في مواجهة القوات المسلحة الليبية.
ويرى متابعون للشأن السياسي والأمني أن هذه الضربات المتتالية قد تفرض واقعاً جديداً يحد من قدرة التنظيمات والجماعات المسلحة على التجمع والاحتفاظ بوجودها في مناطق الحدود الجنوبية.
وتُشكل هذه الانشقاقات الميدانية تحولاً لافتاً في خريطة التوازنات بالجنوب الليبي؛ إذ تكشف عن اتساع رقعة الخلافات والضغوط الداخلية بين فصائل المعارضة التشادية المسلحة، بالتزامن مع تضييق الخناق عليها ميدانياً ولوجستياً. كما تعكس نجاح الاستراتيجية العسكرية المشتركة بين بنغازي وانجمينا في تفكيك بنية هذه الجماعات وعزل قياداتها الميدانية.
ومن شأن استمرار هذه التطورات أن يعزز سيطرة الجيش الوطني الليبي على المنافذ والمسالك الصحراوية الحيوية، مما يضعف حركة المجموعات المسلحة وشبكات التهريب العابرة للحدود. ويضع هذا الانحسار الميداني الجماعات المتمردة أمام خيارين: إما الاستسلام وتفكيك تشكيلاتها، أو مواجهة حصار أمني مكثف ينهي نفوذها العسكري في المنطقة الشريطية الحدودية.
وتمثل المنطقة الحدودية بين ليبيا وتشاد بيئة ملائمة لنشاط الجماعات المسلحة لعدة أسباب، أهمها اتساع الحدود وصعوبة مراقبتها حيث تمتد لمسافات طويلة عبر مناطق صحراوية نائية، ما يجعل مراقبتها بشكل دائم تحدياً لوجستياً وأمنياً. بالإضافة إلى ضعف مؤسسات الدولة في بعض المناطق حيث استغلت الفصائل التشادية المسلحة سنوات الاضطراب الأمني في ليبيا لإقامة قواعد خلفية وممرات آمنة للحركة وإعادة التموضع.
وتنشط في المنطقة شبكات تهريب الأسلحة والوقود والبشر والمخدرات، وتوفر مصادر تمويل لبعض الجماعات المسلحة مقابل تأمين طرق التهريب أو المشاركة فيها.
وترتبط بعض الجماعات المتمردة بعلاقات قبلية أو لوجستية تمتد إلى تشاد والنيجر والسودان، ما يمنحها قدرة على التنقل بين الحدود والاستفادة من هشاشة الأوضاع الأمنية.
ويمثل انشقاق عناصر من الحركات المسلحة وتسليم أسلحتهم للجيش الليبي تطوراً يحمل دلالات أمنية أهمها: إضعاف البنية العسكرية للمتمردين فكل انشقاق يؤدي إلى خسارة الجماعات المتمردة عدداً من المقاتلين والأسلحة والآليات، ويؤثر على قدرتها على تنفيذ عمليات عسكرية أو الاحتفاظ بمناطق نفوذها.
كما يشكل المنشقون مصدراً مهماً للمعلومات حول مواقع انتشار الجماعات المسلحة. وطرق الإمداد والتمويل. وشبكات التهريب. وقيادات الفصائل وتحركاتها. وطبيعة التحالفات بين الجماعات المختلفة. ويمكن أن تساعد هذه المعلومات في تنفيذ عمليات أكثر دقة ضد المجموعات المتبقية.
ومن شأن تكرار حالات الانشقاق ن أيثير الشكوك داخل الجماعات المتمردة ويضعف التماسك الداخلي، خصوصاً إذا شملت قيادات ميدانية أو شخصيات ذات نفوذ. وقد يشجع نجاح عمليات التسليم الآمن مجموعات أخرى على اتخاذ الخطوة نفسها، خاصة إذا ترافقت مع ضمانات بعدم الملاحقة أو ببرامج لإعادة الدمج.
