بين التهدئة والحرب.. السعودية تتحرك لخفض التصعيد مع تصاعد الضغوط على إيران
بحث ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الخميس، مع قائد القيادة المركزية في الجيش الأميركي ‘سنتكوم’ الأدميرال براد كوبر، تطورات الأوضاع الإقليمية والجهود الرامية إلى خفض التصعيد وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، في لقاء يأتي وسط توترات متصاعدة مرتبطة بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران، ومخاوف متزايدة بشأن أمن الملاحة وإمدادات الطاقة.
وذكرت وكالة الأنباء السعودية ‘واس’ أن اللقاء تناول إلى جانب التطورات الإقليمية، عدداً من الموضوعات المتعلقة بالتعاون الدفاعي بين السعودية والولايات المتحدة، من دون أن تحدد مكان انعقاد الاجتماع أو تقدم تفاصيل إضافية بشأن القضايا التي جرى بحثها.
ويكتسب اللقاء أهمية خاصة بالنظر إلى موقع كوبر في المنظومة العسكرية الأميركية، وإلى حساسية المرحلة التي تمر بها المنطقة، خصوصاً مع استمرار تداعيات المواجهة الأميركية الإيرانية، وتصاعد المخاوف من تحول التوترات في الممرات البحرية والمنشآت الحيوية إلى جبهة جديدة للصراع.
ويتزامن اجتماع ولي العهد السعودي وقائد ‘سنتكوم’ مع إعلان الرياض انضمام 13 دولة رسمياً إلى التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات، في خطوة قالت وزارة الدفاع السعودية إنها تمثل الانطلاقة الفعلية للتحالف، بعد عقد اجتماع التخطيط الثالث للتحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات في قيادة الأسطول الغربي بمدينة جدة، بمشاركة ممثلين عن 39 دولة شقيقة وصديقة.
ويعكس التحركان، اللقاء السعودي الأميركي وتوسيع إطار التعاون البحري، انشغالاً متزايداً بأمن المنطقة، ولا سيما في ظل التوترات التي يشهدها مضيق هرمز، الذي يمثل ممراً رئيسياً لحركة التجارة وإمدادات الطاقة العالمية. كما يشيران إلى محاولة تعزيز أدوات الردع والحماية البحرية بالتوازي مع المساعي السياسية الرامية إلى احتواء التصعيد.
وتزداد أهمية هذه التطورات مع بقاء المسار الأميركي الإيراني في منطقة رمادية بين التفاوض والضغط العسكري، فبعد المواجهات التي شهدتها المنطقة، دخلت واشنطن وطهران مساراً تفاوضياً، إلا أن الخلافات المتعلقة بضمان أمن الملاحة وحرية العبور في مضيق هرمز حالت دون الوصول إلى تفاهم نهائي، بينما ظلت احتمالات عودة العمليات العسكرية حاضرة في المشهد.
ويكتسب تقرير القناة 13 الإسرائيلية بشأن كوبر أهمية خاصة، وإن كان يتعين التعامل معه باعتباره رواية إعلامية لم تؤكدها الإدارة الأميركية رسمياً، فقد زعمت القناة أن قائد ‘سنتكوم’ دفع خلال زيارة إلى إسرائيل باتجاه استئناف الهجمات على إيران، بما يشمل استهداف منشآت النفط والغاز والكهرباء، باعتبار أن ضرب البنية التحتية الحيوية يمكن أن يزيد الضغط على طهران.
وبحسب التقرير، طرح كوبر هذا التوجه خلال اجتماع للمنتدى العملياتي الأعلى في الجيش الإسرائيلي، بحضور رئيس الأركان إيال زامير وكبار القادة العسكريين، كما نقلت القناة أنه عرض موقفه على رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية دان كين، وأن التوجه وصل لاحقاً إلى الرئيس دونالد ترامب.
وهنا تبرز مفارقة سياسية وعسكرية لافتة؛ ففي الوقت الذي يتحدث فيه كوبر، وفق الرواية الإسرائيلية، عن خيارات عسكرية أكثر تشدداً تجاه إيران، يأتي اجتماعه مع ولي العهد السعودي تحت عنوان واضح هو بحث جهود خفض التصعيد وتعزيز الأمن والاستقرار. ولا يعني ذلك بالضرورة وجود تناقض مباشر في الموقف الأميركي، إذ يمكن أن تتحرك واشنطن في الوقت نفسه عبر مسارين، أحدهما دبلوماسي يهدف إلى منع اتساع الحرب، والآخر عسكري يبقي خيارات الرد والضغط مفتوحة.
وتبدو السعودية في هذه المعادلة معنية بدرجة كبيرة بمنع انتقال المواجهة الأميركية الإيرانية إلى نطاق أوسع في الخليج، فاستهداف منشآت الطاقة أو توسيع العمليات العسكرية يمكن أن ينعكس سريعاً على حركة التجارة وأسواق النفط وأمن الممرات البحرية، كما قد يدفع الأطراف الإقليمية إلى إعادة ترتيب حساباتها الأمنية.
وتزداد المخاطر إذا عادت الضربات إلى منشآت النفط والغاز والكهرباء الإيرانية، إذ إن مثل هذه الأهداف لا تحمل قيمة عسكرية فقط، بل ترتبط مباشرة بالاقتصاد وبإمدادات الطاقة، ما يجعل استهدافها قادراً على إنتاج تداعيات تتجاوز حدود إيران. كما يمكن أن يؤدي أي تصعيد من هذا النوع إلى ردود إيرانية تستهدف قواعد أو مصالح أميركية في المنطقة أو حركة الملاحة، بما يوسع دائرة المواجهة.
ومن هذه الزاوية، لا يبدو إعلان السعودية توسيع التحالف البحري الدفاعي منفصلاً عن البيئة الأمنية المحيطة، إذ تتحرك الرياض لتعزيز قدرات حماية الملاحة في وقت بات فيه أمن البحر جزءاً أساسياً من معادلة الصراع الإقليمي.
وكانت المواجهة بين واشنطن وطهران قد امتدت خلال الأشهر الماضية إلى مناطق متعددة في المنطقة، قبل أن تعود الاتصالات بشأن الملاحة في مضيق هرمز وهو ما يؤكد أن أي مواجهة مباشرة بين الطرفين يمكن أن تتجاوز ساحة العمليات الأصلية، وتنعكس على دول الخليج والممرات التجارية وأسواق الطاقة.
ويمكن قراءة لقاء محمد بن سلمان وكوبر باعتباره جزءاً من اتصالات أمنية أوسع تستهدف إبقاء قنوات التنسيق مفتوحة في مرحلة شديدة الحساسية، فالسعودية تبدو حريصة على دعم ترتيبات أمنية تحمي الملاحة والمصالح الحيوية، بالتوازي مع الدفع باتجاه خفض التصعيد، بينما تبقي الولايات المتحدة أدواتها العسكرية حاضرة كوسيلة ضغط وردع.
وبينما لم يصدر تعليق أميركي رسمي يؤكد ما أوردته القناة الإسرائيلية بشأن موقف كوبر من استئناف الحرب، فإن مجرد تداول هذه الرواية بالتزامن مع تحركات دبلوماسية وأمنية متسارعة يعكس هشاشة الوضع الإقليمي، فالمنطقة تقف أمام مسارين متوازيين: جهود سياسية لمنع انفجار جديد، واستعدادات عسكرية لا تزال تترك الباب مفتوحاً أمامه، فيما يبقى مضيق هرمز والطاقة أبرز نقطتي اختبار لأي تصعيد مقبل.
