البحرية الأميركية تعيد توجيه أموال الرواتب لتمويل العمليات القتالية تحت ضغط حرب إيران

كشفت وثائق وشهادات مسؤولين في البحرية الأميركية عن ضغوط مالية متزايدة تواجهها القوات البحرية نتيجة الحرب المستمرة مع إيران، والتي دخلت شهرها السابع، بعدما اضطرت البحرية إلى إعادة توزيع أموال كانت مخصصة للرواتب لتغطية جزء من نفقات العمليات العسكرية، في مؤشر على ارتفاع كلفة الحرب واستنزاف الموارد.
وأفادت صحيفة «الغارديان» البريطانية، في تحقيق نشرته الخميس، بأن البحرية الأميركية لجأت إلى تحويل أموال بين حسابات مختلفة بعدما تجاوز الإنفاق المرتبط بالعمليات العسكرية التقديرات التي بُنيت عليها موازنة السنة المالية 2026.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول في البحرية أن أموالاً مخصصة للرواتب استُخدمت مؤقتاً لتغطية نفقات العمليات الخارجية، قبل تعويضها من مخصصات أخرى لم تكن قد استُنفدت. وتشير هذه الخطوة، وفق الوثائق والمقابلات التي استند إليها التحقيق، إلى حجم الضغوط التي خلّفتها الحرب على الميزانية البحرية.
في المقابل، نفت البحرية الأميركية أن تكون قد استنفدت مخصصات الصيانة والعمليات، مؤكدة أنها تدير مواردها بطريقة تضمن دفع رواتب العسكريين في مواعيدها. وبالتالي، فإن إعادة توزيع الأموال لا تعني توقف دفع الرواتب أو حرمان أفراد البحرية منها.
وتأتي هذه التطورات في وقت بلغت فيه موازنة وزارة البحرية للسنة المالية 2026 نحو 300 مليار دولار، إلا أن الجزء الأكبر منها موزع ضمن اعتمادات يحددها الكونغرس، ما يحد من قدرة الوزارة على نقل الأموال بحرية بين بنود الإنفاق المختلفة.
كما أن الموازنة الحالية أُعدت قبل بدء العملية العسكرية الأميركية ضد إيران في 28 فبراير/شباط 2026، ولم تكن مبنية على افتراض استمرار الحرب لفترة طويلة، أو تنفيذ حصار بحري، أو إبقاء أعداد كبيرة من السفن والطائرات في حالة انتشار متواصل.
ويعكس حجم المشاركة العسكرية جانباً من هذه الضغوط. وقال رئيس العمليات البحرية الأميركية الأدميرال داريل كودل إن أكثر من 27 ألف بحار وأكثر من 24 سفينة شاركوا في العمليات ضد إيران، التي تشمل الهجمات العسكرية، والحصار البحري، وعمليات إزالة الألغام، وتأمين الممرات البحرية في مضيق هرمز.
ولم تقتصر آثار الحرب على تكاليف الانتشار، بل امتدت إلى مخزونات الذخائر، بعدما استُخدمت كميات كبيرة من الصواريخ الاعتراضية وصواريخ «توماهوك» وغيرها، في وقت تحتاج فيه البحرية إلى تمويل عمليات الصيانة وإعادة بناء مخزوناتها والاستعداد لاحتمال استمرار العمليات لفترة أطول.
وكان وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث قد أعلن في يوليو/تموز أن تكلفة الحرب على إيران بلغت 37.5 مليار دولار حتى ذلك الوقت، بينما طلبت إدارة الرئيس دونالد ترامب تمويلاً إضافياً من الكونغرس لتغطية نفقات العمليات وتعويض الذخائر التي استُهلكت خلال القتال.
وتظهر البيانات المعلنة ارتفاعاً متسارعاً في تكلفة الحرب؛ إذ قُدرت النفقات بنحو 25 مليار دولار في نهاية أبريل/نيسان، قبل أن ترتفع إلى 29 مليار دولار في مايو/أيار، ثم تصل إلى 37.5 مليار دولار بحلول يوليو/تموز.
ومع دخول الحرب شهرها السابع، تتزايد المخاوف من تحولها إلى صراع استنزاف طويل، في ظل الضغوط التي تواجه القوات الأميركية وتراجع بعض مخزونات الذخائر وإجهاد القدرات العسكرية نتيجة استمرار الانتشار.
ويحتل مضيق هرمز موقعاً محورياً في هذا الاستنزاف، إذ تتطلب عمليات الحصار البحري وتأمين الممرات التجارية وإزالة الألغام وجوداً مستمراً للسفن الحربية، إلى جانب تنفيذ مهام حماية الملاحة في واحد من أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم.
وفي الوقت نفسه، طلبت إدارة ترامب 67.1 مليار دولار إضافية من الكونغرس لوزارة الدفاع، بينما تجاوزت تقديرات موازنة الدفاع الأميركية للسنة المالية 2027 حاجز 1.5 تريليون دولار، بحسب تقارير أميركية.
وترى «الغارديان» أن تداعيات الحرب قد تتجاوز مشكلة التمويل المباشر، لتطال الجاهزية العسكرية مستقبلاً، خصوصاً إذا أدى تأجيل أعمال الصيانة، واستهلاك الذخائر، وإطالة فترات انتشار السفن إلى تراكم أعباء تحتاج إلى سنوات لمعالجتها.
ورغم ذلك، تؤكد البحرية الأميركية قدرتها على مواصلة عملياتها، مشيرة إلى أنها تعمل مع الكونغرس لتأمين التمويل الإضافي الضروري.
ويكتسب طلب الأدميرال كودل تخصيص ما بين 6 و8 مليارات دولار إضافية للسنة المالية 2026 أهمية خاصة، باعتباره مؤشراً مباشراً من أعلى قيادة عملياتية في البحرية على حجم التمويل الذي تحتاجه لاستعادة توازنها المالي والوفاء بالتزاماتها.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الأزمة المالية التي تواجهها البحرية لا تقتصر على مجرد تحويلات بين الحسابات، بل تعكس الكلفة المتصاعدة لحرب طال أمدها خلافاً للتقديرات الأولية، وتفرض على واشنطن إعادة تقييم نفقات عملياتها العسكرية وقدرتها على تحمل تبعات صراع طويل الأمد مع إيران.
