سياسة

“مدينة الأحلام” تحت المجهر.. فندق صيني يطل على قاعدة بريطانية حساسة


قد يبدو منتجع «مدينة الأحلام» في قبرص للوهلة الأولى مجرد وجهة فاخرة تضم مسابح وأجنحة راقية وكازينو ومطاعم فاخرة، لكن موقعه الاستثنائي بالقرب من قاعدة «أكروتيري» البريطانية جعله موضع اهتمام أمني واستخباراتي.

ويقع الفندق المؤلف من 16 طابقًا على مقربة شديدة من حدود القاعدة البريطانية، ما يمنح بعض أجنحته وأجزاء مرتفعة منه إطلالة مباشرة على منشآت عسكرية تعد من أهم نقاط الارتكاز البريطانية في المنطقة.

وبحسب صحيفة «التلغراف» البريطانية، أعربت مصادر استخباراتية وعسكرية عن مخاوف من إمكانية استغلال موقع الفندق لجمع معلومات عن القاعدة، ولا سيما أن المبنى يتفوق بارتفاعه على معظم المنشآت المحيطة به.

فندق فاخر في موقع حساس

افتُتح منتجع «مدينة الأحلام» عام 2023، ويمتد على مساحة تقارب 15 فدانًا، ويضم فندقًا شاهقًا ومنتجعًا صحيًا وصالة رياضية ومدرجًا وعددًا من المطاعم، إلى جانب أول كازينو متكامل في أوروبا، بحسب ما أوردته التقارير.

وعلى خلاف العديد من الفنادق الفاخرة في ليماسول، لا يقع المنتجع مباشرة على الشاطئ، بل شُيّد بمحاذاة منطقة «أكروتيري» التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، والتي تُعد مركزًا مهمًا للعمليات العسكرية البريطانية في الشرق الأوسط.

ويثير موقع الفندق القلق بسبب قربه من منطقة عسكرية حساسة، إذ يمكن من بعض النقاط المرتفعة رصد أجزاء من القاعدة وحركة الطائرات، إضافة إلى بعض التحركات داخل محيطها.

وتشير مصادر أمنية إلى أن مراقبًا مزودًا بمعدات بصرية بسيطة يمكنه، من موقع مناسب، متابعة عمليات إقلاع وهبوط الطائرات ورصد أنماط الحركة والنشاط في محيط القاعدة.

ملكية صينية ومخاوف استخباراتية

ويعود المنتجع إلى سلسلة فنادق تابعة لشركة «ميلكو ريزورتس»، التي يرأسها الملياردير الصيني-الكندي لورانس هو.

ويشغل هو عضوية اللجنة الوطنية للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني، وهي هيئة سياسية استشارية تضم شخصيات اقتصادية واجتماعية بارزة في الصين، الأمر الذي زاد من حساسية مسألة ملكية الفندق بالنسبة لبعض المسؤولين الأمنيين.

وتخشى شخصيات عسكرية وأمنية في «أكروتيري» من إمكانية استغلال الفندق لجمع معلومات استخباراتية لصالح الصين، خصوصًا بسبب ارتفاع المبنى وموقعه المطل على القاعدة.

وتضم «أكروتيري» منشآت وقدرات عسكرية متقدمة، وتستخدم في عمليات جوية واستخباراتية في المنطقة، ما يجعل أي قدرة على مراقبة نشاطها ذات أهمية أمنية كبيرة.

ما الذي يمكن جمعه من المراقبة؟

يرى مسؤولون أمنيون أن المراقبة من موقع مرتفع بالقرب من القاعدة يمكن أن توفر معلومات تتعلق بأنماط حركة الأفراد والمركبات، ومواعيد الطلعات الجوية، وإجراءات الأمن والدوريات، إلى جانب رصد الاستجابة لأي حوادث أو تهديدات جوية.

ولا يعني ذلك أن الفندق يُستخدم بالفعل لأغراض تجسسية، إذ لم تقدم التقارير دليلاً على وجود نشاط استخباراتي داخله.

وخلال زيارة صحفية للمنتجع، لم تظهر مؤشرات علنية على نشاط مشبوه. إلا أن مصادر أمنية ترى أن المخاوف ترتبط بالقدرات التي يوفرها الموقع وليس بوجود دليل مباشر على استخدامها.

مخاوف تتجاوز قبرص

وتأتي هذه المخاوف في سياق أوسع من التوتر الغربي بشأن الاستثمارات والملكية الصينية بالقرب من المنشآت العسكرية الحساسة.

فقد أثيرت في الولايات المتحدة مخاوف مماثلة بشأن شراء كيانات صينية أراضي أو منشآت قريبة من قواعد عسكرية، وسط مخاوف من إمكانية استخدامها لأغراض المراقبة وجمع المعلومات.

كما ظهرت مخاوف مشابهة في أوروبا، بعدما أفادت تقارير عام 2024 بأن أجهزة استخبارات غربية حذرت من ملكية صينية لفندق يقع بالقرب من قاعدة عسكرية سويسرية مخصصة لاستقبال طائرات «إف-35».

وفي بريطانيا، أثارت خطط مرتبطة بجزر تشاغوس مخاوف بشأن إمكانية استغلال سفن مدنية أو قوارب صيد في عمليات مراقبة حول قاعدة دييغو غارسيا.

«أكروتيري» تواجه مخاطر التجسس

ولا تعد المخاوف المتعلقة بالتجسس جديدة بالنسبة إلى قاعدة «أكروتيري». ففي الآونة الأخيرة، أُلقي القبض على مواطن بريطاني-أذربيجاني للاشتباه في قيامه بأعمال تجسس لصالح إيران، على خلفية مزاعم تتعلق بمراقبة القاعدة.

ويقول مسؤولون إن القاعدة ستتخذ إجراءات مضادة للمراقبة، لكنهم يقرون بوجود حدود لما يمكن فعله لمنع جمع المعلومات من مبانٍ مدنية تقع خارج نطاق القاعدة.

وفي المقابل، نفت إدارة المنتجع بشكل قاطع أي علاقة له بأنشطة استخباراتية، مؤكدة أنه منشأة تجارية مخصصة للسياحة والترفيه وفعاليات الأعمال.

كما شددت إدارة الفندق على أن المنتجع جرى تطويره وتشغيله وفق قوانين جمهورية قبرص وتحت إشراف السلطات المختصة.

أما وزارة الدفاع البريطانية، فأكدت أن أمن أفرادها وقواعدها ومصالحها يحظى بأهمية قصوى، مشيرة إلى أن «أكروتيري» تتمتع بإجراءات أمنية متعددة المستويات تخضع للمراجعة المستمرة، دون الكشف عن تفاصيل تلك الإجراءات لأسباب تتعلق بأمن العمليات.

وهكذا، لا تكمن حساسية «مدينة الأحلام» في طبيعة الفندق الفاخرة بقدر ما تكمن في موقعه: مبنى شاهق مملوك لمستثمرين صينيين، يقع على مرمى النظر من قاعدة عسكرية بريطانية بالغة الحساسية، في وقت تتزايد فيه مخاوف العواصم الغربية من عمليات جمع المعلومات بالقرب من منشآتها العسكرية.

زر الذهاب إلى الأعلى