حصري

الإخوان المسلمون في الحسابات الأمريكية.. بين الأمن والسياسة وحدود الاتهام


لم يعد اسم الإخوان المسلمين حاضرًا في النقاش الأمريكي باعتباره قضية خارجية فقط. ففي السنوات الأخيرة أصبح التنظيم وفروعه موضوعًا لنقاش متزايد داخل الولايات المتحدة، خصوصًا عندما تتقاطع قضايا الإسلام السياسي مع الأمن القومي والإرهاب والهجرة والعلاقات بين الجماعات الدينية والمؤسسات السياسية. ومع عودة ملف 11 سبتمبر إلى الواجهة في الذكرى الخامسة والعشرين، أعادت NewsNation طرح مجموعة من الأسئلة المتعلقة بالتطرف والانقسام السياسي الأمريكي، وهو ما أعاد بدوره الاهتمام بقضية الإخوان وعلاقتها بالمشهد الأمريكي.

لكن أي معالجة صحفية جادة لهذا الموضوع تبدأ من سؤال أساسي: ما المقصود تحديدًا بـ«الإخوان المسلمين»؟

الحركة تأسست في مصر في عشرينيات القرن الماضي، ثم انتشرت أفكارها وفروعها في بلدان متعددة. وقد مرت العلاقة بينها وبين الأنظمة السياسية بتحولات كبيرة، كما اختلفت مواقف فروعها من الانتخابات والعمل الحزبي والعنف. ولهذا فإن الحديث عن «الإخوان» باعتبارهم كتلة عالمية واحدة تتصرف بالطريقة نفسها قد يؤدي إلى أخطاء تحليلية.

وتوضح وثائق حكومية أمريكية سابقة أن صانعي السياسة الأمريكيين أنفسهم واجهوا صعوبة في تحديد الطريقة المناسبة للتعامل مع الجماعة. فقد أشارت وثائق حول مصر إلى أن بعض المراقبين اعتبروا أن الإخوان تخلوا عن استخدام العنف كتكتيك سياسي، بينما ظلت السلطات المصرية تنظر إليهم باعتبارهم تهديدًا.

لكن المشهد تغير في 2026، عندما أدرجت وزارة العدل الأمريكية ضمن أخبارها الرسمية قرارًا يتعلق بـتصنيف الإخوان المسلمين في السودان كمنظمة إرهابية. وهذه الخطوة تمثل تطورًا مهمًا في السياسة الأمريكية تجاه فرع محدد من الحركة، لكنها لا تعني تلقائيًا أن كل جماعة أو مؤسسة تحمل علاقة تاريخية أو فكرية بالإخوان أصبحت مصنفة بالطريقة نفسها.

وهنا تظهر واحدة من أكثر النقاط حساسية في النقاش الأمريكي: الفرق بين التنظيم، والفكرة، والمؤسسة، والفرد.

فإذا كانت جهة ما منظمة إرهابية وفق القانون الأمريكي، فإن التعامل معها يخضع لمعايير قانونية واضحة. أما إذا كان الحديث عن شخصية سياسية أو مؤسسة مجتمع مدني لها تاريخ من التواصل مع أشخاص مرتبطين بالإخوان، فإن إثبات العلاقة التنظيمية يحتاج إلى مستوى مختلف من الأدلة.

هذه المسألة تصبح أكثر تعقيدًا عندما تدخل الأحزاب الأمريكية في الصورة. فقد استخدم سياسيون ومعلقون محافظون في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة اتهامات تتعلق بتقارب بعض الديمقراطيين مع جماعات إسلامية أو ناشطين مسلمين. وفي المقابل، يرفض سياسيون ونشطاء آخرون هذه القراءة ويعتبرونها تعميمًا يخلط بين المشاركة السياسية للمسلمين وبين الانتماء إلى جماعات إسلامية سياسية.

وبالنسبة للصحافة، لا يكفي نقل الاتهام. السؤال الأهم هو: ما الدليل؟

هل توجد عضوية تنظيمية؟ هل هناك تمويل؟ هل توجد وثائق داخلية؟ هل يوجد تنسيق سياسي معلن؟ أم أن الأمر يتعلق بلقاء سياسي أو تصريح؟ الفارق بين هذه الحالات كبير جدًا.

وهذا ما يجعل إعادة تداول أي مقطع تلفزيوني بحاجة إلى سياق كامل. فالمقطع المختصر قد يعرض رأيًا لأحد الضيوف، لكنه لا يكفي وحده لإثبات كل ما ورد فيه. ولهذا فإن التحقيق الصحفي يجب أن يعود إلى الحلقة الأصلية، ويحدد هوية المتحدث، ويقرأ تصريحاته كاملة، ثم يقارنها بالمصادر الحكومية والوثائق المتاحة.

أما فيما يتعلق بالتطرف، فإن الأدلة الرسمية الأمريكية خلال 2026 تشير إلى استمرار وجود تهديدات إرهابية مرتبطة بجماعات متطرفة. فقد أعلنت وزارة العدل في أبريل أن متهمًا أقر بالذنب في محاولة تنفيذ هجوم مستوحى من داعش ضد مركز يهودي في نيويورك، كما أعلنت في مايو اتهامات ضد شخص قالت إنه كان مرتبطًا بكتائب حزب الله وأنشطة عنيفة ضد المصالح الأمريكية.

هذه القضايا مهمة لأنها تظهر أن التطرف العنيف لا يزال قضية أمنية فعلية. لكنها في الوقت نفسه لا تثبت أي علاقة تلقائية بالإخوان المسلمين. فداعش والقاعدة وكتائب حزب الله والإخوان المسلمين كيانات مختلفة من حيث التاريخ والبنية والأيديولوجيا والعلاقات السياسية. الجمع بينها في مصطلح واحد تحت عنوان «التطرف الإسلامي» قد يخفي اختلافات جوهرية.

ولهذا، فإن الحديث الدقيق عن «التطرف الإسلامي» يجب أن يركز على الأيديولوجيات والتنظيمات والأفعال التي تستخدم الدين لتبرير العنف أو فرض أهداف سياسية بالقوة. أما الإسلام كدين، والمسلمون كمجتمع ديني، فهما نطاقان أوسع بكثير من هذه التنظيمات.

وقد أكدت وزارة العدل الأمريكية في تصريحات سابقة هذا المبدأ، عندما فرقت بين مكافحة التطرف وحماية المسلمين والعرب الأمريكيين من التمييز. وهذا المبدأ القانوني لا يلغي وجود تهديدات إرهابية، بل يؤكد أن مكافحة الإرهاب يفترض أن تقوم على السلوك والأدلة وليس على الهوية الدينية وحدها.

من هنا يصبح السؤال عن «تعاطف الديمقراطيين مع الإخوان» قضية تحتاج إلى تفكيك لا إلى شعار. فالحزب الديمقراطي، مثل الحزب الجمهوري، يضم تيارات وشخصيات ومواقف مختلفة، ولا يمكن إثبات علاقة تنظيمية للحزب ككل بمجرد مواقف بعض أعضائه أو لقاءاتهم مع جماعات مسلمة.

لكن هذا لا يمنع التحقيق في حالات فردية. إذا كانت هناك شخصية سياسية أقامت علاقات مع منظمة معينة، أو دعمت موقفًا محددًا، أو شاركت في نشاط سياسي مع جهة لها صلات موثقة بجماعة الإخوان، فإن هذه الوقائع يمكن عرضها بالتفصيل. لكن يجب إبقاء الاستنتاج في حدود الأدلة.

وتبرز هنا أهمية الذكرى الخامسة والعشرين لـ11 سبتمبر. فالهجمات كانت نقطة تحول في العلاقة بين الأمن والسياسة والدين داخل الولايات المتحدة. واليوم، بعد ربع قرن، ما تزال البلاد تحاول الإجابة عن سؤال صعب: كيف يمكن مكافحة التطرف دون تحويل الأمن القومي إلى أداة في الصراع الحزبي؟

إن إعادة فتح هذا الملف من خلال NewsNation يمكن أن تكون فرصة لفحص الوثائق والوقائع بدل الاكتفاء بالخطاب السياسي. فالإخوان المسلمون موضوع يستحق الدراسة، والتطرف العنيف خطر حقيقي، والانقسامات السياسية الأمريكية واقع واضح؛ لكن جمع هذه الملفات في نتيجة واحدة يحتاج إلى أدلة مستقلة لكل رابط بينها.

والخلاصة الصحفية الأهم هي أن قوة التحقيق لا تأتي من قوة الاتهام، وإنما من قوة الوثيقة التي تثبته. وهذا هو الفارق بين تقرير يساهم في فهم الأمن القومي، وتقرير يتحول إلى جزء من الاستقطاب السياسي نفسه.

زر الذهاب إلى الأعلى