من داكار إلى المحافل الدولية.. اتهامات «كيماوي السودان» تفتح جبهة حقوقية جديدة ضد قيادة الجيش
توصيات إفريقية تتجاوز الإدانة إلى التحقيق والمساءلة.. ومخاوف من انتقال الأزمة من ساحة الحرب إلى مواجهة دبلوماسية وقانونية أوسع

تواجه قيادة الجيش السوداني ضغوطاً حقوقية متزايدة مع انتقال الاتهامات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية إلى صدارة النقاش داخل الأوساط الإفريقية، في تطور قد يوسع نطاق التدقيق الدولي في إدارة الحرب المستمرة منذ أبريل 2023. فقد خرج منتدى المنظمات غير الحكومية في داكار بتوصيات تدعو السلطات القائمة في بورتسودان إلى السماح لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية بإجراء تحقيق مستقل، وفتح المنشآت المشتبه بها، والكشف عن أي ذخائر أو مرافق مرتبطة ببرنامج كيميائي محتمل.
ولا تقتصر أهمية هذه الخطوة على مضمون المطالب، بل تمتد إلى الجهة التي تبنتها والسياق الذي جاءت فيه. فالتحرك صدر عن تجمع واسع لمنظمات المجتمع المدني الإفريقية، شارك فيه نحو 400 ممثل عن مؤسسات حقوقية من 37 دولة، ثم رُفعت توصياته إلى اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب. ويعني ذلك أن الملف بات يحظى باهتمام يتجاوز التصريحات الصادرة عن حكومات غربية أو المواجهات الدبلوماسية المرتبطة بالحرب السودانية.
ومع ذلك، فإن انتقال الاتهامات إلى الأجندة الحقوقية الإفريقية لا يعني أن المسؤولية قد حُسمت، أو أن استخدام الأسلحة الكيميائية ثبت بصورة نهائية. فالمسار الحقوقي يهدف، في هذه المرحلة، إلى توفير الظروف اللازمة للتحقق من الوقائع، وتحديد ما إذا كانت هناك انتهاكات تستوجب المساءلة، وهو ما يجعل التعاون مع الخبراء المستقلين محور المواجهة المقبلة.
تحول في طبيعة الضغط على بورتسودان
على مدى الحرب السودانية، تداخلت الاتهامات المتعلقة بالانتهاكات مع الصراع على الشرعية والتمثيل السياسي والسيطرة على مؤسسات الدولة. غير أن ملف الأسلحة الكيميائية يتميز بحساسيته القانونية الخاصة، لأنه يرتبط باتفاقية دولية تحظر هذه الأسلحة، وبمنظمة متخصصة تمتلك آليات فنية للتحقق من الالتزامات المرتبطة بها.
ومن هنا، فإن توصيات داكار تنقل النقاش إلى مساحة تختلف عن السجال السياسي التقليدي. فالمطلوب ليس فقط إصدار موقف من الاتهامات، بل السماح بفحص المواقع المشتبه بها، وتوفير المعلومات ذات الصلة، والتعاون مع آليات التحقيق الدولية. وهذه الإجراءات، إذا نُفذت بصورة مستقلة وشفافة، يمكن أن تساعد في تحديد الوقائع بعيداً عن تأثير الاصطفافات السياسية.
كما أن توسيع نطاق الاهتمام الإفريقي قد يرفع الكلفة الدبلوماسية لاستمرار القضية من دون حسم. فكلما اتسعت دائرة المؤسسات التي تطالب بتحقيق موثوق، أصبحت الحاجة إلى استجابة واضحة أكثر إلحاحاً، خصوصاً إذا انتقلت توصيات المجتمع المدني إلى قرارات أو إجراءات رسمية داخل اللجنة الإفريقية.
الحرب السودانية تحت مجهر الحقوقيين
لم يأت ملف الأسلحة الكيميائية منفصلاً عن بقية الانتهاكات التي تناولتها توصيات المنتدى. فقد دعا المشاركون إلى وقف فوري لإطلاق النار تحت مراقبة دولية مستقلة، وإقامة ممرات آمنة للمدنيين، وضمان وصول الغذاء والأدوية والمساعدات الإنسانية. كما أدانوا الانتهاكات المنسوبة إلى طرفي النزاع، بما يشمل الهجمات على المدنيين، والاعتقال التعسفي، والتعذيب، والعنف الجنسي، والقتل ذي الدوافع الإثنية.
واستندت التوصيات إلى صورة إنسانية شديدة التدهور، مع الإشارة إلى تهجير نحو 16 مليون شخص داخل السودان وخارجه، ومواجهة أكثر من 20 مليوناً خطر الجوع، وحرمان نحو 19 مليون طفل من التعليم. وتكشف هذه الأرقام، كما وردت في القرار، عن اتساع آثار الحرب على المجتمع السوداني، وعن حجم التحديات التي تواجه أي محاولة لحماية المدنيين وإعادة بناء المؤسسات.
وفي هذا السياق، يصبح التحقيق في الاتهامات المتعلقة بالأسلحة الكيميائية جزءاً من نقاش أوسع بشأن طبيعة الحرب وحدود استخدام القوة، ومدى احترام الأطراف المتحاربة للقانون الدولي. لكن أهمية السياق لا تلغي ضرورة التمييز بين الانتهاكات المثبتة والاتهامات التي لا تزال بحاجة إلى أدلة مستقلة.
من المسؤولية السياسية إلى المساءلة القانونية
دعا المنتدى أيضاً إلى تعزيز التنسيق بين الاتحاد الإفريقي والمجتمع الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب، والقبض على المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية في قضايا دارفور وتسليمهم إلى المحكمة. ويمنح هذا المطلب التوصيات بعداً يتجاوز الدعوة إلى التوثيق والإدانة، إذ يربط حماية المدنيين بضرورة اتخاذ إجراءات عملية بشأن الجرائم التي تدخل ضمن اختصاص الجهات القضائية المعنية.
غير أن المساءلة القانونية لا تتحقق بمجرد إطلاق الاتهامات، بل تتطلب تحديد الوقائع والأشخاص المعنيين، وجمع الأدلة، واحترام الضمانات القانونية. وينطبق ذلك بصورة خاصة على ملف الأسلحة الكيميائية، حيث ينبغي التمييز بين إثبات استخدام سلاح محظور، وتحديد الجهة المسؤولة، وإثبات المسؤولية الفردية وفق المعايير القانونية المعمول بها.
كما طالب المنتدى بوقف التدخلات الخارجية التي تسهم في استمرار الحرب، بما يشمل إمدادات الأسلحة والتمويل والدعم السياسي للأطراف المتحاربة. ويعكس هذا الموقف إدراكاً بأن الأزمة لا تستمر بفعل المواجهة الداخلية وحدها، بل تتأثر أيضاً بشبكات الدعم التي تمنح الأطراف القدرة على مواصلة القتال.
هل تتحول توصيات داكار إلى قرار إفريقي رسمي؟
يتوقف جزء أساسي من مستقبل هذا المسار على موقف اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب خلال دورتها العادية التاسعة والثمانين في داكار، والممتدة حتى 21 أكتوبر وفق المعلومات الواردة في النص. فتبني توصيات المنتدى رسمياً قد يمنح المطالب المتعلقة بالتحقيق الكيميائي ووقف إطلاق النار والمساءلة زخماً مؤسسياً أكبر، ويفتح المجال أمام متابعة أكثر انتظاماً لتنفيذها.
أما إذا لم تتحول التوصيات إلى إجراءات عملية، فقد تبقى الضغوط في إطار المواقف الحقوقية، مع استمرار الحاجة إلى تحرك من المؤسسات المختصة. وفي جميع الأحوال، فإن قيمة أي قرار لن تقاس بحدة لغته وحدها، بل بقدرته على دفع الأطراف المعنية نحو خطوات قابلة للتحقق.
وتجد قيادة الجيش السوداني نفسها أمام استحقاق يتجاوز إدارة الخطاب السياسي: التعامل مع الاتهامات عبر التعاون مع تحقيق مستقل، أو مواجهة استمرار الجدل وتوسع المطالب الحقوقية. لكن المسؤولية عن حسم الملف لا تقع على السلطات وحدها؛ إذ يتعين أيضاً على المؤسسات الدولية ضمان استقلالية التحقيق ومهنيته وعدم تحويله إلى أداة للصراع السياسي.
لقد فتحت داكار باباً جديداً في المواجهة الحقوقية بشأن السودان. والمرحلة المقبلة ستحدد ما إذا كان هذا التحرك سيظل توصية صادرة عن منظمات المجتمع المدني، أم سيتحول إلى مسار إفريقي أوسع يدفع باتجاه كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي يثبت وقوعها.
