البرهان والسيادة السودانية.. حين يصبح البقاء في السلطة أغلى من الأرض والدم
لم تعد أزمة الحكم في السودان محصورة في عجز السلطة العسكرية عن إنهاء الحرب أو استعادة الاستقرار أو توفير الحد الأدنى من الحماية للمواطنين، بل تجاوزت ذلك إلى سؤال أكثر خطورة يتعلق بطبيعة القرار الوطني وحدود استقلاله، ومدى استعداد القيادة العسكرية للدفاع عن الأرض والحقوق السودانية عندما تتعارض مع حسابات بقائها في السلطة.
فالدولة التي تخوض حرباً داخلية مدمرة، وتواجه انهياراً اقتصادياً وإنسانياً واسعاً، تحتاج قبل أي شيء إلى قيادة تجعل حماية المواطنين وصيانة السيادة الوطنية أساساً لكل تحرك سياسي وعسكري ودبلوماسي. غير أن الجدل الذي أثارته الأنباء المتداولة بشأن مقتل معدّنين سودانيين في منطقة حدودية جراء غارات نُسبت إلى الطيران المصري أعاد إلى الواجهة أزمة الثقة بين السودانيين والسلطة العسكرية بقيادة عبد الفتاح البرهان، وفتح الباب أمام تساؤلات بشأن كيفية تعاملها مع القضايا التي تمس الأرض والدم والكرامة الوطنية، في وقت تتشابك فيه مصالح القوى الإقليمية مع حسابات الحرب السودانية ومآلاتها السياسية.
إن خطورة هذه القضية لا تتوقف عند تفاصيل الحادثة أو الجهة التي نفذت القصف أو طبيعة النشاط الذي كان يمارسه المستهدفون، وإنما تكمن في الطريقة التي تعاملت بها السلطة مع الحدث، وفي ما إذا كانت قد امتلكت الإرادة السياسية الكافية لإعلان موقف واضح يحمي حقوق مواطنيها ويطالب بتحقيق مستقل وشفاف. فالدولة لا تفقد مسؤوليتها عن مواطنيها عندما يكونون في مناطق حدودية، ولا يجوز أن تتحول المخالفات المحتملة، إن ثبتت، إلى مبرر لإهدار الحق في الحياة أو لتجاوز القواعد التي تحكم استخدام القوة. وحتى عندما يتعلق الأمر بالتنقيب غير المشروع عن الذهب أو غيره من الموارد، فإن معالجة هذه الأنشطة تقع ضمن مسؤولية المؤسسات القانونية والأمنية المختصة، ولا تمنح أي جهة حق استهداف الأشخاص دون مساءلة. ومن هنا، فإن جوهر الأزمة هو ضرورة معرفة ما حدث بالفعل، وتحديد المسؤوليات، وضمان ألا تتحول الاعتبارات الأمنية أو الاقتصادية إلى غطاء لتبرير سقوط الضحايا أو الانتقاص من السيادة السودانية.
وتزداد حساسية المسألة بالنظر إلى المقارنة التي يطرحها الجدل العام بين تعامل السلطة المصرية مع مقتل مواطنين مصريين في الخرطوم، وبين الموقف السوداني من مقتل معدّنين سودانيين في المنطقة الحدودية. فبحسب الرواية الواردة في النص المتداول، تحركت الخارجية المصرية لمتابعة مقتل محمد لطفي وأكرم محمد، اللذين قُتلا إثر إطلاق نار في السوق المحلي جنوب الخرطوم يوم 12 أكتوبر، وأُصيب مواطن مصري آخر، كما وردت معلومات عن إصابة سوداني في الحادثة. وتحدثت الرواية عن توجيهات أصدرها وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي للسفير المصري بالتواصل مع السلطات المعنية ومتابعة حالة المصاب والعمل على نقل الجثمانين. وإذا تأكدت تفاصيل هذه التحركات، فإنها تقدم مثالاً على كيفية تعامل الدولة مع مقتل مواطنيها في الخارج، وتكشف الفارق بين المطالبة بحقوق المواطنين وبين الاكتفاء ببيانات التعزية أو تشكيل لجان لا يعرف الرأي العام نتائج أعمالها.
لكن المقارنة لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد سجال عاطفي أو منافسة في إصدار البيانات، بل يجب أن تقود إلى مساءلة سياسية ومؤسسية واضحة: لماذا يبدو التحرك الدبلوماسي أكثر حسماً عندما يتعلق الأمر بمواطنين أجانب، بينما تتعثر قدرة السودانيين على الحصول على إجابات مقنعة بشأن دمائهم وأرضهم؟ وما الذي يمنع السلطة القائمة في الخرطوم وبورتسودان من تبني خطاب رسمي يطالب بكشف الحقائق، أياً كانت الجهة التي قد تثبت مسؤوليتها؟ إن واجب الدولة لا يتحدد بهوية المتهم أو طبيعة العلاقات معه، وإنما بمدى التزامها بحماية المواطنين وصيانة حقوقهم. وإذا كانت التحقيقات لم تحسم بعد جميع تفاصيل الحادثة الحدودية، فإن ذلك يجعل المطالبة بالتحقيق أكثر إلحاحاً، لا أقل أهمية، ويجعل من الضروري تجنب الأحكام القطعية قبل ظهور الأدلة، من دون السماح في المقابل بأن يتحول غياب النتائج إلى ذريعة للصمت أو إغلاق الملف.
وتتمثل إحدى المشكلات الرئيسية التي تواجه السودان اليوم في أن الحرب أضعفت المؤسسات التي يفترض أن تتولى ضبط العلاقات الخارجية وحماية الحدود ومراقبة الموارد الوطنية، بينما أصبحت القرارات الاستراتيجية محكومة بتوازنات عسكرية وسياسية متغيرة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع الشفافية، ويصبح من الصعب على المواطنين التمييز بين المعلومة المؤكدة والدعاية، وبين التحرك الرسمي الذي يستهدف حماية المصالح الوطنية والمناورة التي تخدم حسابات أطراف الصراع. لذلك فإن إصدار بيان يتحدث عن تشكيل لجنة لتقصي الحقائق لا يكفي وحده لاستعادة الثقة، ما لم يصاحبه إعلان واضح عن اختصاصات اللجنة، وضمان استقلالها، وتحديد جدول زمني لعملها، ونشر نتائجها للرأي العام، واتخاذ إجراءات قانونية بحق كل من تثبت مسؤوليته. فاللجان ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة للوصول إلى الحقيقة والمحاسبة ومنع تكرار الانتهاكات.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التعامل الحذر مع البيان المنسوب إلى الجيش المصري، والذي تحدث، بحسب النص المتداول، عن عمليات لمكافحة التنقيب غير المشروع وعن فرض السيادة داخل حدود الدولة المصرية. فهذه العبارات، إن ثبت ورودها في البيان بصيغتها المتداولة، تستدعي توضيحاً رسمياً بشأن الموقع الجغرافي للعملية وحدودها والأساس القانوني الذي استندت إليه، خصوصاً إذا كانت هناك ادعاءات بأن القصف وقع داخل الأراضي السودانية. ولا يمكن الفصل في مسألة السيادة بمجرد تبادل التصريحات أو إطلاق الاتهامات، بل ينبغي الرجوع إلى الخرائط والوثائق الرسمية والإحداثيات والأدلة الميدانية وشهادات الشهود، فضلاً عن أي معلومات مستقلة يمكن التحقق منها. أما إذا ثبت أن قوة أجنبية نفذت هجوماً داخل الأراضي السودانية من دون موافقة قانونية واضحة، فإن المسألة ستتجاوز حادثة أمنية حدودية إلى قضية تتعلق بسلامة الأراضي السودانية وحقوق مواطنيها والتزامات الدولة تجاههم.
ويكتسب هذا الملف بعداً إضافياً بسبب النزاع التاريخي بشأن حلايب وشلاتين، وما يمثله من حساسية في الوعي الوطني السوداني. فالقضايا الحدودية لا تُحل بالشعارات ولا بالمواقف الانفعالية، لكنها أيضاً لا يمكن أن تُترك للتآكل بفعل الإهمال أو غياب الإرادة السياسية. إن الحفاظ على الحقوق الإقليمية يتطلب عملاً دبلوماسياً مستمراً، وتوثيقاً قانونياً وتاريخياً، ومؤسسات قادرة على إدارة الخلافات مع الدول المجاورة من دون تحويلها إلى ذرائع للحرب أو التوتر الشعبي. وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن تصبح الحاجة إلى التعاون الإقليمي مبرراً للتخلي عن المطالب المشروعة أو تأجيلها إلى أجل غير معلوم. فالعلاقات المستقرة لا تقوم على إنكار الخلافات، بل على الاعتراف بها وإدارتها عبر التفاوض والقانون والاتفاقات الواضحة.
ومن هذه الزاوية، يكتسب موقف رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك، خلال حديثه في القاهرة في مارس 2021، أهمية سياسية في النقاش الراهن. فقد دعا، وفق التصريحات المنقولة عنه، إلى تناول العلاقة السودانية المصرية ببعدها الاستراتيجي ومناقشة الملفات المسكوت عنها، ومن بينها قضية حلايب وشلاتين. وتكشف هذه المقاربة عن إمكانية الجمع بين الحفاظ على العلاقات مع دولة مجاورة وبين الدفاع عن الحقوق الوطنية، بدلاً من وضع التعاون الدبلوماسي والسيادة في مواجهة مصطنعة. فالدول التي تسعى إلى بناء علاقات طويلة الأمد تحتاج إلى معالجة الملفات الخلافية بصورة مؤسسية، بعيداً عن المجاملة السياسية أو التهديدات المتبادلة. ولا يعني ذلك أن كل الخلافات قابلة للحل الفوري، لكنه يعني أن وجودها لا ينبغي أن يمنع الحوار بشأنها أو أن يجعل أحد الطرفين يتصرف وكأنها غير موجودة.
كما أن استدعاء ما أوردته صحيفة وول ستريت جورنال في نوفمبر 2021 بشأن زيارة مدير المخابرات المصرية آنذاك عباس كامل إلى الخرطوم، واللقاءات التي قالت الصحيفة إنه أجراها مع البرهان قبل انقلاب أكتوبر، يعيد النقاش إلى طبيعة العلاقات الإقليمية التي أحاطت بالتحول العسكري في السودان. فقد نقل التقرير، وفق الرواية المنشورة، عن مصدر حكومي سوداني أن كامل دعا إلى رحيل حمدوك، وأشار إلى زيارة سرية قام بها البرهان إلى القاهرة عشية الانقلاب طلباً للدعم. وهذه تبقى رواية صحفية ينبغي نسبتها إلى مصدرها وعدم التعامل مع جميع تفاصيلها باعتبارها حقائق قضائية محسومة، لكنها تثير أسئلة مشروعة حول دور العوامل الخارجية في المشهد السوداني، ومدى تأثير العلاقات الإقليمية في خيارات القيادة العسكرية. فاستقلال القرار الوطني لا يُقاس فقط بالخطابات الرسمية، بل بقدرة المؤسسات السودانية على اتخاذ قراراتها وفق مصالح البلاد ومطالب شعبها، بعيداً عن الضغوط التي قد تفرضها التحالفات أو المصالح الشخصية.
وتتضح خطورة الارتهان الخارجي عندما تتحول العلاقة مع الحلفاء إلى عنصر أساسي في حسابات بقاء السلطة، بحيث يصبح أي خلاف معهم مكلفاً سياسياً أو عسكرياً، فتتراجع القدرة على اتخاذ موقف مستقل حتى في القضايا التي تمس المواطنين مباشرة. ومع ذلك، فإن إثبات وجود تبعية سياسية أو تنازلات في ملف بعينه يحتاج إلى أدلة موثوقة، ولا يصح أن يكون مجرد الاستنتاج من الصمت أو التأخر في إصدار موقف. لكن من حق السودانيين أن يطالبوا حكومتهم بتفسير مواقفها، وأن يعرفوا طبيعة الاتفاقات والتفاهمات التي قد تؤثر في أمن البلاد وحدودها ومواردها. فالعلاقات الخارجية ليست ملكاً للقيادات العسكرية، والسيادة ليست شعاراً تستخدمه السلطة ضد خصومها السياسيين ثم تتعامل معه باعتباره مسألة ثانوية عندما يتعلق الأمر بحلفائها.
وقد أدى توظيف خطاب السيادة في الصراع الداخلي إلى تعميق هذا التناقض. فحين تُستخدم الوطنية لتخوين المدنيين أو اتهام دعاة السلام بالتفريط في البلاد، يصبح من الضروري إخضاع الخطاب الرسمي لمعيار واحد: ما الذي يقدمه فعلياً لحماية السودان؟ إن الوطنية ليست حكراً على مؤسسة عسكرية أو تيار سياسي، ولا يمكن اختزالها في تأييد الحرب أو الاصطفاف خلف قائد بعينه. كما أن نقد السلطة لا يعني تلقائياً الوقوف ضد الدولة، بل قد يكون جزءاً من الدفاع عنها عندما يهدف إلى كشف الأخطاء ومحاسبة المسؤولين ومنع احتكار القرار الوطني. والدولة التي تتمتع مؤسساتها بالشرعية والمساءلة لا تخشى الأسئلة، ولا تعتبر المطالبة بالتحقيق في مقتل المواطنين تهديداً للأمن القومي.
وفي المقابل، لا يجوز أن تُستغل هذه القضية لتبرير استهداف أي جماعة سودانية أو تعميم المسؤولية على أفراد بسبب انتماءاتهم السياسية أو العسكرية. فالمحاسبة الحقيقية تقوم على الأدلة وتحديد المسؤولية الفردية والمؤسسية، لا على الانتقام أو الاتهامات الجماعية. وإذا كانت هناك معلومات عن تورط أفراد في أعمال عنف أو تجاوزات، فإن الطريق الصحيح هو التحقيق المستقل والإجراءات القضائية العادلة. كما أن حماية المدنيين تقتضي رفض استخدام معاناتهم في الحملات الدعائية، سواء من السلطة أو من خصومها. فالهدف ينبغي أن يكون كشف الحقيقة وحماية الحقوق، لا استبدال رواية سياسية بأخرى من دون أدلة.
إن الأزمة السودانية أوسع من موقف واحد أو حادثة حدودية، لكنها تتجلى بوضوح في مثل هذه الوقائع، لأنها تكشف العلاقة بين شرعية الحكم وواجباته الأساسية. فالسلطة التي تعجز عن حماية مواطنيها، أو لا تقدم لهم تفسيراً مقنعاً لما يتعرضون له، تفقد تدريجياً قدرتها على إقناعهم بأن استمرارها ضرورة وطنية. ولا يمكن معالجة هذا الخلل بمجرد الحديث عن الأمن أو استدعاء مخاطر التفكك، لأن الحفاظ على وحدة الدولة يبدأ بإعادة بناء الثقة بين المجتمع ومؤسساته، وبإخضاع القرارات العسكرية والسياسية للمساءلة، وبإعطاء الأولوية لوقف الحرب وحماية السكان واستعادة الخدمات الأساسية. فالسودان لا يحتاج إلى مزيد من الاستقطاب، بل إلى مشروع وطني يعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمواطن على أساس الحقوق والواجبات.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس الاكتفاء بإدانة سياسية أو المطالبة بتغيير الأشخاص من دون تصور للمستقبل، بل وضع مسار واضح لإعادة بناء الدولة. يبدأ ذلك بوقف الحرب والعمل على تسوية سياسية شاملة، وإطلاق تحقيقات مستقلة في الانتهاكات والاعتداءات التي يتعرض لها المدنيون، وتعزيز قدرة المؤسسات القضائية والرقابية على العمل من دون تدخل عسكري أو حزبي. ويشمل كذلك بناء مؤسسة عسكرية مهنية موحدة، تخضع لسلطة مدنية ذات شرعية شعبية، وتلتزم بالدستور والقانون، ولا تتحول إلى طرف دائم في التنافس على الحكم أو المصالح الاقتصادية. وعلى المستوى الخارجي، يحتاج السودان إلى سياسة متوازنة تقوم على التعاون مع دول الجوار، مع التمسك بالحقوق الحدودية والقانونية، وتجنب تحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
إن السيادة لا تُختبر في الخطابات التي تُلقى أمام الجماهير، وإنما في القرارات التي تتخذها الدولة عندما تكون مصالحها وحقوق مواطنيها موضع خلاف مع الآخرين. والكرامة الوطنية لا تُصان بتخوين المعارضين أو تبرير الحرب، بل بقدرة المؤسسات على حماية الإنسان السوداني أينما كان، وضمان ألا يضيع دمه بين المصالح السياسية والحسابات العسكرية. وإذا كانت قضية المعدّنين قد كشفت حجم الغضب الشعبي والأسئلة المتراكمة بشأن أداء السلطة، فإنها ينبغي أن تتحول إلى نقطة انطلاق لمراجعة شاملة لطريقة إدارة البلاد، لا إلى حلقة جديدة في مسلسل تبادل الاتهامات. فالسودان أكبر من أي قائد، وسيادته أوسع من أي تحالف، ومستقبله لا يمكن أن يُختزل في بقاء سلطة أو سقوطها. وما يحتاج إليه السودانيون اليوم هو دولة تحمي أرضهم وحقوقهم، وتقول الحقيقة لمواطنيها، وتخضع للمحاسبة عندما تخفق، وتستمد شرعيتها من الشعب لا من قوة السلاح أو دعم الخارج.
